خان يونس – الرأي- فرج العقاد
تميزت بمذاقها العالي، فهي من ألذ الحلويات الشرقية التي بدأت بالظهور أوائل القرن التاسع عشر، حين عرفتها مدينة دمشق واشتُهرت بها، فخرج مصنعوها ومبدعوها من أزقة دمشق القديمة، ليتحفوا العالم بنكهتها الخاصة التي لا تنسى!
وبعد انطلاق الثورة السورية، ومحاولة نظام الأسد إخمادها بمزيد من القتل والدمار، لاقت الحلوى الدمشقية ما لاقاه المواطن السوري من قتل وبطش وتهجير، وهو ما دفع محترفيها للهجرة إلى البلدان المجاورة طلبا للأمان وحماية لمهنة الأجداد من الاندثار!
هذا هو حال أبو ثائر الشامي، الذي حل ضيفًا بأسرته على غزة قبل نحو خمسة أشهر، جاءها يطلب العيش بكرامة بعد أن حُرم منها لعقود، وبعد أن رأى الموت بعينيه مرات عديدة، ففقد خلال الثورة أحد أقاربه المرضى تحت سياط التعذيب وترك خلفه أهله ما بين جريح وأسير ومشرد.
التقته "الرأي" حيث يعمل في أحد مصانع الحلويات بمدينة خانيونس لتتعرف منه عن قرب على مذاق البقلاوة التي يجيد صناعتها..
تاريخ عريق
وللحلويات الدمشقية تاريخ عريق وقصص تداولتها الذاكرة السورية والعربية على مر السنين، خصوصاً حين تقدم في المناسبات والأعياد لتتزين بها البيوت وقاعات الأفراح، حتى قيل" إذا خلا بيت من الحلويات فان أصحابه غير معيدين".
كما أن لونها الجذاب وطريقة عرضها الهرمي، والذي يأخذ أشكالا عدة، يجعلها محط أنظار الزائرين والسواح إلى سوريا الذين يصرون على حمل هذه الحلويات ذات النكهة الخاصة إلى بلادهم.
يقول أبو ثائر لـ "الرأي": تعلمت مهنة صناعة الحلويات قبل 16 عاماً منذ كنت في مرحلة الإعدادية، حيث كنت أعمل لدى حلويات حجازي بدمشق، وهى محلات عريقة ومعروفة عند الشاميين".
ويضيف: "كنت إلى جانب عملي أستفيد من الدورات التي يعدها المعهد لأكتسب مزيدا من الخبرة، وأجدت خلال عملي صناعة البقلاوة بجميع أصنافها إلى جانب العديد من الحلويات الأخرى".
"إرهابيون"!
سافر أبو ثائر إلى المملكة العربية السعودية، هرباً من الواقع المر الذي كان يعيشه في سوريا في ظل الظلم والرشوة والفساد المستشري آنذاك، فعمل في فندق "الشيراتون" بجدة لمدة عشر سنوات.
اضطر أبو ثائر أن يعود لبلده ويكمل مسيرته مع صناعة الحلوى، إلى أن انطلقت شرارة الثورة على الطغيان كما يصفها.
وبعد تنهيدة عميقة، يقول أبو ثائر: "دمر النظام بيتي ومصنعي، واتهمني بالانضمام إلى صفوف الجيش الحر، علماً أنني لم أشارك إلا في نقل المصابين المدنيين من جيراني وأقاربي، فهذا واجب إنساني".
ويتابع: "يعد نظام الأسد ذلك مساعدةً للإرهابيين، لذا اعتقلوني شهراً كاملاً عشت فيه أسوء أيام حياتي، فذقت معاملة قاسية لا مثيل لها، وخيروني حينها بين القتل على باب البيت أو اقتيادي إلى السجن".
غزة مختلفة
وخرج أبو ثائر من السجن بأعجوبة لا تصدق، وذلك بمساعدة ضابط سوري كان في قلبه شيء من الرحمة، وبمجرد إطلاق سراحه ترك سوريا متوجهاً إلى غزة، فهو متزوج من فلسطينية.
وبعد رحلة عناء وسفر، وصل أبو ثائر غزة ليستقبله الغزيون بمحبة ورحابة صدرٍ، فمدوا يد العون له، بعد أن خرج من سوريا بملابسه فقط!
ومقابل هذا الاحتفاء به، أصر أبو ثائر على رد المعروف بتعليم أصدقائه ورفاقه العاملين في صناعة الحلويات فنوناً جديدة في ابتكار أصناف مختلفة من الحلويات.
الخلطة السرية
وعن سر خلطة البقلاوة السورية، أجاب: "البقلاوة عبارة عن طحين يضاف إليه السمن البلدي، ويعجن بحليب الأبقار، ثم يتم (ترييح) العجين بقماش مبلل بالماء لإضفاء النعومة عليه، ويضاف إليها النشا والخلطة الخاصة "سر المهنة" التي أعدها بنفسي، فهي سر المذاق والطعم المتميز".
وإلى جانب البقلاوة، يجيد أبو ثائر صناعة رقائق الكلاج وكنافة "أم النارين، وهو اسم سوري أطلق عليها لمذاقها العالي المتميز، وتتكون "أم النارين" من طبقتين ذات لون أحمر ناري محشوة بالكريمة والقشطة".
وكما يبدع أبو ثائر بصناعة البرازق المحشوة باللوز والصنوبر والمكسرات والفستق الحلبي، والمعمول بالتمر والغريبة إلى جانب عشرات الأشكال من أصابع البقلاوة التي تتميز بصغر حجمها عن البقلاوة المألوفة بالأسواق الغزية.
هدايا الأمراء
يقول أبو ثائر: "الحلويات السورية تميزت بمذاقها الرفيع، فدخلت كل بيت عربي، بل إن الحلويات الشرقية غزت دول أوروبية مثل فرنسا وبريطانيا والسويد والولايات المتحدة الأمريكية".
ويواصل: "تقدم هذه الحلويات للأمراء والرؤساء كهدية مميزة بعد تغليفها في علب خشبية، كما أنها تصدر بكميات كبيرة بعد أن نالت ثقة كل الجنسيات وتميزت بمذاقها العالمي حتى أنها دخلت موسوعة جينس".
وضرب أبو ثائر مثالا على الكميات الكبيرة التي كانت تصدر لدول العالم، مشيرا إلى أن حلويات "داود" في الشام وصلت نسبة تصديرها نصف طن سنويا، لكن الأحداث المؤسفة التي تحياها سوريا وقفت عائقاً أمام تصديرها للخارج.
ويأمل ضيف غزة أن يستقر في غزة، متمنيا من الحكومة الفلسطينية أن تساعدهم بتوفير مسكن مناسب لهم، ليتمكن من الوقوف على قدميه من جديد ويعيل أسرته، مشيرا إلى أنه ألحق أبناءه بالمدارس الحكومية ليكلموا عامهم الدراسي.
لا تفارق صور سوريا الثورة ذاكرة أبو ثائر، فالألم يعتصر قلبه على ما فقده من أهل وأحبة، لكن رغم ذلك يثق أبو ثائر أن السوريين سيكونون على موعد قريب مع الحرية، متمنياً أن تزول الغيمة السوداء عن سماء سوريا، لتحل النجوم والسعادة والأمان بدلاً منها.
تصوير: ضياء الآغا









