غزة- الرأي- عروبة عثمان
يستيقظ خليل الوزير كل صباح، يفتش عن ذاته بين ثنايا اسمه الذي عشقه حد الجنون، ويرْقبُ من بعيد لحظة ملامسةِ الحرية ترابَ فلسطين، فيقاوم الاحتلال على طريقته القانونية مُحلقِّاً في سماء العدالة، ويصنع التغيير وفق طاقته، ويزرع الأمل في نفوسٍ كانت على مسافة بعيدةٍ من الأمل الذي يقودها نحو تحرير فلسطين.
إنه ليس الشهيد القائد خليل الوزير "أبو جهاد"، بل شابٌ في العشرينات من عمره، عدّ قريبه الشهيد "أبو جهاد"أسطورةً حقيقية يصعب تكرارها هذه الأيام، فتشرّب تاريخه وأفكاره النضالية التي كانت بمثابة رغيف الخبز له.
يتحمل الشاب الوزير مسؤولية كبيرة على عاتقه، فاسمه المطابق لاسم الشهيد "أبو جهاد" يجعله أمام مهمة صعبة لا يقدر أن يتحملها أي إنسان إلا إن كان حلم ولادة "أبو جهاد" ثانٍ يراوده كل لحظة، ليحيي مسيرةً كفاحية يتوق إليها كثيرون.
التقت "الرأي" الشاب خليل الوزير، لترى عن كثب مدى تعلق هذا الشاب العشريني بالشهيد القائد "أبو جهاد" الذي اغتاله الموساد الإسرائيلي في هذا اليوم من عام 1988، ليخلّد هذا التاريخ في عقول كل من عانى من احتلالٍ جثم على صدره دون أن يبرح من الأرض التي استمات أبو "جهاد" في الدفاع عنها، حتى احتضنته الشهادة في تونس.
النوم عدوه
يقول الوزير لـ "الرأي": "أحاول دائماً ألا أشوه الاسم الذي أفخر بحمله، فكل من يقابلني لأول مرة يسعد باسمي ليرجع بشريط ذكرياته إلى الوراء قليلاً ويتذكر الشهيد "أبو جهاد" الذي لا مثيل له على هذه الأرض"، مؤكداً شعوره بحساسية عالية من محاولة ربط اسمه باسم "أبو جهاد"، فلولا إصرار "الرأي" على خلق جسر التواصل بين تاريخ "أبو جهاد" وحاضر الشاب العشريني، ما رأى هذا التقرير النور.
ويضيف الوزير: "الشهيد لم يعرف النوم بتاتاً، فكان يعمل ويفكر ويخطط ليلَ نهار بشكل متواصل دون أن يشكو تعبه وإرهاقه لأحد، إيماناً منه بأن من يسعى لتحرير فلسطين، لن يحررها بيوم وليلة، فالاحتلال كان يخاف هذا الصوت الحر الذي لا يمل من مواجهته بعنادٍ".
ويستحضر الوزير مواقف ومبادئ الشهيد، خلال حديث "الرأي" معه، كقدرته على المحافظة على استقلالية القرار الفلسطيني، حينما رفض تدخل نظام الأسد بشأن منظمة التحرير الفلسطينية في بيروت، فشخصيته تميزت بقوتها وقدرتها على استقطاب وجذب الشباب الفلسطيني للمشاركة في التخطيط لعمليات عسكرية تكسر جبروت الاحتلال.
لم يكن تسمية هذا الشاب بـ "خليل الوزير" اعتباطاً، بل ولُد في نفس عام استشهاد "أبو جهاد"، بتاريخ 25/6/1988، حيث قررت زوجة الشهيد انتصار الوزير إطلاق اسم زوجها على الشاب العشريني، ليكون أول شاب يأخذ من الشهيد "أبو جهاد" اسماً له، ويصبح واحداً من بين تسعة أفراد في العائلة مسمِّين بهذا الاسم الذي يعد كنزاً ذهبياً لصاحبه.
تلمح حزناً جلياً في كلام هذا الشاب الذي لم يرَ الشهيد إطلاقاً، لكنه يحدّث "الرأي" عن تاريخ "أبو جهاد"، محللاً شخصيته وقدرته القيادية، حتى بدا لنا أنه ولُد قبل 1988 مرافقاً الشهيد في رحلاته وجولاته النضالية.
يشعر الوزير بألم يعتصر قلبه على ما آلت إليه حركة "فتح" الذي وضع الشهيد حجر الأساس لها، فبنى تنظيماً قوياً عجز غيره عن بنائه، وخاض معركةَ صعبة مع الاحتلال الذي كان يخشى رأسه المدبر وعبقريته العسكرية حتى قرر التخلص منه.
ويقول الوزير: "لا يبرح مشهد اغتياله مخيلتي، فأبو جهاد كان يمسك بالرصاصة حينما لفظ أنفاسه الأخيرة ورحل جسده لا روحه عن الدنيا"، مؤكداً أنه كان صاحب عقيدةٍ وطنية من الطراز الأول، فلم يعرف الاستسلام حتى في آخر لحظات حياته".
تستحق المطاردة
كان اغتيال "أبو جهاد" جريمة حربٍ تستحق المطاردة، حيث قتلته عناصر من الموساد (الإسرائيلي) في بيته بتونس بتاريخ 16/4/1988، بقيادة إيهود باراك وزير حرب الاحتلال الأسبق.
ووصلت فجر السادس عشر من نيسان فرق 'الكوماندوز' بالزوارق المطاطية إلى شاطئ تونس، وانتقلت وفق ترتيبات معدّة سابقاً إلى ضاحية سيدي بوسعيد، حيث انتظرت عودة "أبو جهاد" في منتصف الليل بعد أن انقسمت إلى مجموعات اختبأ بعضها بين الأشجار للحماية والمراقبة.
وحسب ما تناقلته التقارير وشهود عيان، فتم إنزال 20 عنصراً مدرباً من قوات وحدة 'سييريت ماتكال' من أربع سفن وغواصتين وزوارق مطاطية وطائرتين عموديتين للمساندة، لتنفيذ مهمة اغتيال 'أبو جهاد' على شاطئ الرواد قرب ميناء قرطاجة.
وبعد عودة 'أبو جهاد' إلى منزله من اجتماعاته مع القيادات الفلسطينية، بدأ التنفيذ وإنزال الوحدة من كل مكان بسيارات أجرة، وبعد نزول أفرادها إلى الشاطئ بساعة تم توجيههم بثلاث سيارات أجرة تابعة للـ'موساد' إلى منزل الشهيد الذي يبعد خمسة كيلومترات عن نقطة النزول.
وعند وصول 'الكوماندوز' إلى المنزل الكائن في شارع (سيدي بوسعيد) انفصلت الوحدة إلى أربع خلايا مزودة بأحدث الأجهزة والوسائل التقنية لإنجاح عملية الاغتيال، وقُدر عدد المجندين لتنفيذ العملية حينها بالمئات.
واقتحمت إحدى الخلايا البيت فجراً، وقتلت الحارس الثاني 'نبيه سليمان قريشان'، وتقدمت أخرى مسرعة لغرفة الشهيد 'أبو جهاد'، فسمع الأخير ضجّة بالمنزل بعد أن كان يكتب كلماته الأخيرة على ورقٍ كعادته ويوجهها لقادة الانتفاضة للتنفيذ، ليرفع مسدسه بعد ذلك ليرى ما يجري، إذ بسبعين رصاصة تخترق جسده، وتتزين قائمة الشهداء باسمه ليتوج أميراً لشهداء فلسطين.
ودفن 'أبو جهاد' في العشرين من نيسان 1988 في دمشق، في مسيرة حاشدة غصّت بها شوارع المدينة، فيما لم يمنع حظر التجول الذي فرضه الاحتلال جماهير فلسطين المحتلة من تنظيم المسيرات الرمزية وفاءً للشهيد الذي اغتيل وهو يتابع ملف الانتفاضة حتى الرمق الأخير.
سأقاضي الاحتلال
ويقول الشاب الوزير: "لا يمكن أن أنسى كلماته الأخيرة التي خطتها يداه المقاومتان اللتان أوجعتا المحتل، فعبارة "لا صوت يعلو فوق صوت الانتفاضة" كانت وجهتي وبوصلتي نحو شق درب المقاومة على طريقتي".
ويطمح الوزير لفضح جرائم الاحتلال ومحاسبته قانونياً، آملاً في تمثيل فلسطين في المحاكم الدولية كمحكمتي العدل والجنايات الدوليتين، فالوزير درس الحقوق في جامعة القاهرة رغم أن معدله في الثانوية العامة (95.4) كان يمكّنه من دراسة الطب أو الهندسة، لكنّه أصر على الولوج إلى عالم العدالة، علّه يحقق العدالة المفقودة.
وحصل هذا الشاب العشريني على درجة الماجستير بامتياز في القانون الدولي التجاري، ليعبُر بذلك درب النضال الذي بدأه "أبو جهاد، فرسالته تناولت المعاملة القانونية للبضائع )الإسرائيلية) المصنّعة في المستوطنات عند تصديرها إلى أوروبا، وفقاً لنصوص اتفاقية الشراكة الأوروبية (الإسرائيلية) واتفاقية الشراكة الأوروبية المؤقتة ومنظمة التحرير الفلسطينية.
ويؤمن أن المعركة ضد الاحتلال هي معركة مفتوحة على جميع الجهات، راغباً في مقاومة العدو من ناحيةٍ قانونية، وذلك بمقاضاتها في أروقة المحاكم الدولية، بعد أن يصبح جزءاً أساسياً من طاقم فلسطيني يلاحق قادة الاحتلال ويحاسبهم على جرائمهم ضد الإنسانية.
ويرى الوزير لو أن الله كتب للشهيد "أبو جهاد" الحياة، ما كان سيسعد بهذا العبث الجاري من انقسام داخلي يطعن القضية الفلسطينية بسكينٍ حاد، قائلاً: " أعِدُ الشهيد أبو جهاد بأنني سأحاول مصمماً أن أكون إنساناً مخلصاً لسيرته النضالية".
ويختم حديثه لـ "الرأي" بأمل عميق رغم الألم الذي ينتابه، واثقاً من أن الأيام القادمة كفيلة بالتغيير لإنتاج نماذج ترقى لعظمة شهداء هذا التراب الذي رُويّ بدمائهم الزكية.

