غزة - الرأي- عروبة عثمان
يكسو جسده تعبٌ ووجعٌ، وغبار ظلمٍ لا يتمكن من نفضه عنه، وتلفّه جدرانٌ وأسوارٌ مغلقةٌ بإحكام، فأينما اتجهت عيناه لا يبصر سوى حُلكةٍ تسعى لاقتياده نحو الموت!
يجلس وحيداً في زنزانته الضيقة التي لا تتعدى مساحتها المترين، لا يسمع فيها سوى صدى صوته ووقع أقدام تقترب من زنزانته لتحقن جسده بموتٍ لا يشبه إلا نفسه!
موتٌ يتفنن في صناعته قلبٌ أسود، فيحقن الأسرى المترقبينَ لحظةَ تنفسهم الحرية بمواد مميتة تعجّل من مغادرتهم وجه الحياة، وتقضي على تعطشهم لاحتضان أبنائهم وذويهم.
هذا القلب الأسود لا يضخ دماً في عروق الأسير، بل سرطاناتٍ وفيروسات ومواد سامة تقتله ولو بعد سنوات، فالاحتلال يخشى الفكر المقاوم وإن كان محبوساً بين جدران أربعة، مكبلَ اليدين والقدمين.
الرقم (208)
ويتسابق الاحتلال "الإسرائيلي" على إنهاك جسد الأسير، فتارةً يعذبه بصعقات كهربائية لا يقوى على تحملها أي إنسان عطرت أنفاسه هذه الدنيا، وتارةً أخرى يحقنه بمواد يزعم أنها علاجية تخفف من حدة مرضه، لكنها في الحقيقة تحمل القتل والتخلص منه إلى غير رجعة!.
يهدد الرقم (208) حياة كل الأسرى، بعد أن نال الإهمال الطبي من أجسادهم ليصل إلى تعمد قتلهم بحقنٍ مغذاة بشتى أنواع السرطانات التي تضمن لفظ آخذيها قسراً أنفاسهم الأخيرة، ليلحقوا بركب مائتين وسبعة شهداء من الحركة الأسيرة.
الأسير المحرر محمد التاج يقول: "إن سلطات المعتقلات تقدّم للأسرى أدوية قاتلة على المدى الطويل، فتلقى الأسير الشهيد أشرف أبو ذريع مادةً لزجة في فمه فكانت السبب وراء قتله"، رافضاً ادعاء الاحتلال أنها مادة لفحص (DNA).
وكانت صحيفة "برافدا" الروسية كشفت، قبل يومين، أن سلطات الاحتلال "الإسرائيلي" تحقن الأسرى الفلسطينيين قبيل الإفراج عنهم بعد انتهاء محكوميتهم، بحقن تحتوي على فيروسات خطيرة تؤدي إلى الوفاة في مراحل متأخرة.
وبحسب الصحيفة، فإن الحقن تسارع في إصابة الأسير بسرطان البروستاتا، وسرطان الكبد المزمن، الأمر الذي يقود الأسير نحو قبره مباشرةً دون أن تتكحل عيناه برؤية مدنه العتيقة، وملامسة ثراها.
ولم يستبعد فؤاد الخفش، مدير مركز أحرار لدراسات الأسرى وحقوق الإنسان، حقن الاحتلال أجساد الأسرى بالموت، قائلاً: "تسببت مسبقاً أجهزة إلكترونية تعمد استعمالها الاحتلال في السجون إلى إصابة المعتقلين بالسرطان وآلام شديدة في الرأس".
ووفق الخفش، الاحتلال يتعامل مع الأسير كحقل تجارب، فيجرِّب عليه جميع أنواع الأدوية والعقاقير الصالحة منها والضارة، غير آبه بالنتائج الكارثية التي يلحقها عقار لا يتقبله الآدمي.
يقتلهم قبل الإفراج!
ويرجع الخفش بشريط ذكرياته إلى الوراء قليلاً، فيقول لـ "الرأي": "خرج كثيرٌ من المعتقلين من عتمة زنازينهم إلى نور الدنيا، مستبشرين خيراً بحريتهم بعد مفارقتها لسنوات، لكن سرعان ما ضاعت فرحتهم بعد إصابتهم بأمراض سرطان الحلق والحنجرة والأمعاء والمعدة والدم".
ويرى أن هذه الأنباء الموجعة حول حقن الأسرى بالفيروسات جريمة جديدة، تضاف إلى سجل الجرائم المرتكبة بحق الأسرى، مشيراً إلى أن هذه الأنباء تضع الكثير من علامات الاستفهام عن طبيعة ما يقدمه الاحتلال من خدمات طبية للأسرى.
ووجه الخفش نداءات عاجلة إلى السلطة الفلسطينية للتعاون مع منظمة الصحة العالمية والصليب الأحمر من أجل الضغط على الاحتلال لإدخال طواقمها الطبية لإجراء الفحوصات الطبية اللازمة على أجساد الأسرى والأدوية التي يتعاطونها في عيادات السجون (الإسرائيلية).
وعدّ تمادي الاحتلال بمعاملته اللاإنسانية مع الأسرى دليلاً واضحاً على عجز السلطة الفلسطينية عن استغلال عضويتها في الأمم المتحدة كدولة "مراقب"، وتدويل قضية الأسرى من خلال مقاضاة المجرمين في محكمتي الجنايات والعدل الدوليتين.
ودعت حركة المقاومة الإسلامية "حماس" السلطة الفلسطينية في رام الله والمنظمات الدولية المعنية إلى فتح تحقيق في تواتر الأنباء عن تعرض الأسرى في سجون الاحتلال "الإسرائيلي" للحقن بمواد مميتة.
وترى الحركة أن تعرض الأسرى للحقن بمواد مميتة على المدى البعيد أو إخضاعهم لاختبارات مخبرية لتجريب بعض العقاقير فضيحة أخلاقية وجريمة ضد الإنسانية.
وقالت في بيانها: "نعرب عن قلقنا الشديد على حياة الأسرى وأوضاعهم الصحية في سجون الاحتلال، حيث يعاني نحو ألف منهم من أمراض مختلفة بسبب الإهمال الطبي المتعمد وانتهاكات مصلحة إدارة السجون الممنهجة".
وما يزال الأسرى يعزفون ألحاناً شجيّة على جيتارةٍ لا ترحب إلا بأنامل المقاومين الفلسطينيين، منتظرةً عزف ألحانٍ ترقص فرحاً، حينما يصاب الاحتلال بجنونٍ من أصحاب الأرض، فيهرع إلى مغادرتها، تاركاً إياها لغارسيها.

