أخبار » مقالات

مشاورات لإنهاء الانقسام أم ترسيخه؟!

29 أيلول / أبريل 2013 09:46

سلامة معروف

مدير عام وزارة الإعلام

ما إن أعلن الرئيس محمود عباس عن نيته بدء مشاورات تشكيل الحكومة برئاسته، حتى أصبح الأمر مثارا لمزيد من وجهات النظر المختلفة والمواقف المتباينة، وحُصرت المواقف السياسية تجاه الخطوة بين تأييد حركة فتح ومن لف لفها من فصائل منظمة التحرير ومباركتهم لها، فيما تمثل موقف حركة حماس والعديد من فصائل المقاومة باستهجانها واعتبارها خطوة منفردة ومعزولة لا تخدم جهود إنهاء الانقسام ولا تجسد ما تم التوافق عليه سابقا بضرورة التزامن في فتح الملفات والتنفيذ بمبدأ الرزمة الواحدة.

هذه الخطوة بحسب مؤيدوها تأتي وفقا لإعلان الدوحة الموقع بين حركتي فتح وحماس برعاية قطرية في مايو 2011م، وتنفيذا للجدول الزمني المقر خلال اجتماعات تفعيل وتطوير منظمة التحرير الفلسطينية التي انعقدت بالقاهرة في الثامن من شهر فبراير الماضي، في حين يرفضها معارضوها كونها خرجت عن إطار التوافق والشراكة، وينظرون إليها بكثير من الريبة والشك سواء في توقيتها أو دوافعها، سيما وإنها تزامنت مع سلسلة فضائح مالية وانتكاسات سياسية تعصف بالسلطة في رام الله.

خطوة أبو مازن كان بإمكانها أن تشكل رافعة حقيقية من أجل إتمام المصالحة وطي صفحة الانقسام، لو لم تكتنفها عدة متناقضات فتحت الباب واسعا للتساؤل والتشكيك في جديتها وصدق نواياها، وأول هذه المتناقضات هو التوقيت الذي جاء متأخرا عامين كاملين منذ إعلان الدوحة الذي تم فيه الاتفاق على تكليف الرئيس محمود عباس بتشكيل حكومة التوافق، فلماذا الآن يا سيادة الرئيس؟ وقد ماطلت وسوّفت وأجّلت مرات عديدة بدواعي وذرائع مختلفة كان آخرها زيارة أوباما، أم إن للأمر علاقة كما يقول البعض بانسداد الأفق السياسي الذي راهنت عليه بعودة المفاوضات، أو حرفا للأنظار عن حالات الفساد والفضائح المالية الكبيرة التي تحدث عنها تقرير الائتلاف من أجل النزاهة والمسائلة-أمان، أو ربما للتغطية على الانتكاسة السياسية بسحب كمقرارات إدانة الاحتلال من اليونيسكو.

وإذا ما تجاوزنا مسألة التوقيت ودلالاته وآمنا بمقولة "أن تأتي متأخرا خير من ألا تأتي" فإن الأمر كي يكتب له النجاح، يجب أن يحظى بالتوافق ويتم بالشراكة مع الجهات التي تضمن تنفيذه، وهو ما لم يتم، بل تمت الخطوة بشكل مفاجئ ودون تنسيق لا مع الراعي المصري، ولا مع الشريك الأساس في الاتفاق وهو حماس، ما ينقلنا للتناقض الثاني باعتبار أن هذه الخطوة التي يفترض أنها وليدة اتفاق سابق وتمهيدية لاجراءات ميدانية تلحق بها، قد تمت بشكل منفرد وأحادي بمعزل عن بقية الفصائل الوطنية ودون مشاورتها، ما يؤثر على إمكانية تحقيقها وضمان الالتزام بها، وهو ما يؤكد أهمية تدارك الأمر وضرورة الاجتماع سريعا للاتفاق على آليات تنفيذ ما سبق التوافق حوله، وإلا فإن الخطوة ستشكل مدخلا جديدا لتكريس الانقسام.

ولأن المخاوف من الجانبين لم يتم تجاوزها، والنوايا لم تزل متكدرة وفقدان الثقة لا يزال هو سيد الموقف، وهو ما يفسر لماذا ظلت الكثير من التوافقات حبرا على ورق؟!ولأن طبيعة الخلافات والاختلافات في تفسير القضايا التفصيلية -"فالشيطان دائما يكمن في التفاصيل"- اصطدمت على الدوام بهذا الجدار العالي من المخاوف والنوايا، لذا وجد الجميع أن التنفيذ المتزامن وفق مبدأ الرزمة الواحدة هو السبيل للخروج من هذا المأزق، وهو ما يعني أن يتم تنفيذ التفاهمات في كافة ملفات المصالحة بشكل متبادل ومتزامن دون انتقائية، الأمر الذي لم تحققه خطوة الرئيس أبو مازن، بل فضل فرض ملف الحكومة التي يفترض أنها تنفيذية مؤقتة ومحددة المهام لتهيئة الأجواء للانتخابات وإنهاء تداعيات الانقسام في الضفة وغزة، وذلك على حساب قضايا أكثر أهمية وحساسية كالمصالحة المجتمعية والحريات والأمن وإعادة بناء المنظمة، وحتى الانتخابات بقي ملف انتخابات المجلس الوطني بلا أي معالجة ولم يتم إقرار قانونها أو تشكيل لجنتها الانتخابية ناهيك عن التسجيل لها.

خلاصة الأمر ان خطوة الرئيس عباس كان بامكانها أن تمهد الطريق لطي صفحة الانقسام، وتشكل مبادرة حقيقية يلمس الشعب الفلسطيني آثار نجاحها على الأرض، لو تمت في إطار الشراكة ووفقا لتفاهمات السابقة، ولأنها لم تكن كذلك فإن ما نخشاه أن تكون مجرد قفزة في الهواء لا أثر حقيقي لها، أو أن تفتح هذه الخطوة جولة جديدة من مسلسل التراشق الإعلامي بين الحركتين قد يعيدنا إلى المربع الأول من جديد، وهو ما يعني مزيدا من ترسيخ الانقسام.

متعلقات
انشر عبر
إستطلاع للرأي
جاري التصويت ...
ما مدى رضاك عن أداء المؤسسات الحكومية بشكل عام؟