في الأيام الأخيرة راجت بضاعة جديدة على صفحات المواقع والفيسبوك، بضاعة يباع فيها الغالي بالرخيص، أصحابها يتدافعون للنيل من شخصيات عامة، أو من رموز وطنية، وحتى وصل الأمر للقدح بالمقاومة وفلسفتها، والربح فقط أن يظهر أصحاب هذه الأقلام بمظهر البطل الجريء، والمنادي بالحرية المفقودة، وهؤلاء هم أشخاص ومجموعات يجتهدون في تشويه كل ما يجمل الصورة في غزة، وعندما انبهر العالم بما فعله شعبنا في غزة على صعيد مواجهة الحصار بحفر الأنفاق وجلب البضائع، وتحدي الاحتلال وصمود الشعب كله في عواصف العدوان ترى هؤلاء ينزوون في الظل لأن العاطفة الوطنية في أحسن حالاتها، وينتظرون الأيام لتضعف هذه العاطفة مع تفاصيل وتزاحم الحياة اليومية، فيتقدم هؤلاء الأبطال – أبطال من ورق- من جديد ليشيعوا الأكاذيب ويهولوا من دقائق الأخطاء، وتطفوا على السطح مرة أخرى صورة تملؤها السواد والتشاؤم، وتتخلخل النفوس الساكنة الوادعة فترتبك وتتشاءم وتكثر الأقاويل وتتضاءل الأفعال وتضعف الولاءات للوطن بعد أن تتراجع التضحيات.
قطاع غزة الذي يعج بالحركة والعطاء حتى بات كل فلسطيني يتفاخر بانتسابه لفلسطين من أجل غزة، غزة التي جمعت بين سلاح المقاومة وسلاح الحكومة دون ملاحقة أو خلط في المهام، غزة التي تنطلق في صد العدوان في تناغم رائع بين المقاومة والإعلام والأجهزة الأمنية وجموع الشعب كله، غزة التي تخوض حربا ضد العملاء وتنعم بالحرية كاملة دون المساس بالقيم والتقاليد الوطنية، غزة التي ينعم أهلها بالنوم العميق دون خوف على بيوتهم أو مركباتهم التي تنتظرهم صباح اليوم الجديد، غزة التي يتجول فيها الأجانب والضيوف في كل شوارعها دون حراسة، غزة التي يتعايش فيها أهلها من مسيحيين ومسلمين جنبا إلى جنب، هذه غزة التي نعرفها، فإذا هم يتحدثون لنا عن غزة أخرى، غزة –كما يروونها- تعج بالفلتان الأمني، وملاحقة المعارضين السياسيين، غزة تمتلئ سجونها بالخصوم السياسيين والمظلومين، غزة التي يفر منها شبابها مهاجرين إلى بلاد الغربة طلبا للحرية، غزة التي يلاحق فيها النساء غير المتحجبات والشبان أصحاب الشعر الطويل، غزة التي تمنع المواطنين من السفر وتقهرهم، .... وكأنهم يتحدثون عن غزة أخرى غير التي نعرف !!
ويحاول البعض التماهي مع الاعلام المصري الذي يحارب كل ما يقول به الاسلاميون بعد الثورة – رئاسة وتشريعي وحكومة - بسبب حكم الإخوان، ووصل الأمر إلى خروج اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير – مستيقظين من نومهم العميق – منادين برفضهم لمحاولات "أخونة " و "طلبنة" المجتمع الفلسطيني في قطاع غزة، ألا تتذكرون أنهم ملأوا الدنيا صياحا قبل أعوام: لا للإمارة الإسلامية في غزة ولا لطلبنة غزة، فلا تم أخونة غزة ولا أعلنت الإمارة الاسلامية في غزة، وكأن ما يكتبه هؤلاء مخطط له مع أولئك فيمهدون لهم الأحول لتستقبل تصريحاتهم دون تمحص أو انتباه.
شعبنا مسلم ومحافظ على هويته الاسلامية، ونحن في القطاع كأسرة واحدة نتلمس آلامنا ونخفف من شكوانا، ونضمد جروحنا، ومن أبرز ما يغيظ العدا هذا التماسك الرائع، فينفث بين الحين والآخر سموما قد يتشربها البعض على حسن نية أو سذاجة مقصد، وأن هذه الكلمات المسمومة تعمل على النيل من رموز الوطن ومقدراته المقاومة، فتصل الصورة مخلوطة ومغلوطة في ذهن الرأي العام، فتضعف القيمة الوطنية جراء هز صورة القيادات والنماذج الوطنية المشرفة، وهنا يتساءل المواطن لمن إذا سيناضل ويضحي ؟ ومن المستفيد من دم الشهداء الذين يسقطون - وما زالوا - لأجل الوطن، ومن المستفيد من سنوات السجن وقهر السجان، وعندها لن يجد المواطن إلا بما قاله الشاعر أحمد مطر في قصيدته "يسقط الوطن" :
نموت كي يحيا الوطن .. يحيا لمن ؟...
لابن زنى يهتكه ثم يقاضيه الثمن؟! .....
تف على هذا الوطن!
وألف تف مرة أخرى ! على هذا الوطن! ..
هذه الصورة المهترئة للوطن في أذهان البعض تكون بيئة ناضجة لأن تزرع فيها الحقد والكره لهذا الوطن، فبالله عليكم هل تجد حينها من يضحي بحياته وحياة أبنائه لأجل هذا الوطن الذي ينتظر الكثير الكثير ...لذلك نقول لمن يتوارى حين يجد الجد ويُبذَل الدم لا يحق لك أن تطيل لسانك على العاملين ليل نهار لخدمة الوطن وتحرير الوطن، وإن هم أخطأوا فهم بشر، ومن أراد أن ينتقد فعليه أن يدخل تفاصيل الحياة من معركة النهار وجهاد الليل وأن نقيم هذه الأخطاء على أرضية الصورة الكاملة دون اقتطاع متعمد ...
فيا هؤلاء : انتبهوا .... انكم تهدمون الوطن

