لم يُخفِ أحد مشاعره ولا تطلعاته للمشهد المصري يوم أمس الأحد الثلاثين من يونيو، وذلك بسبب حالة الشحن النفسي، والتعبئة الإعلامية، وتباين تشخيص الحال والسلوك والنتائج في هذا اليوم. الانشداد والترقب والدعاء كان سيد الموقف ليس لدى أبناء مصر بل وأبناء الأمة كلها.كل طرف من طرفي المُعادلة استخدم أوراقه التي يملكها، سواء الحقيقية أو المُهولة والمصطنعة.
فالمعارضة مارست حربًا نفسية هائلة من خلال وسائل الإعلام، وخلقت حالة من الرهبة والإرهاب، فرد التيار المؤيد للرئيس مرسي بحرب مماثلة، وحذروا من العنف، ودعا للتفريق بين المعارضة السلمية وبين البلطجة والقتل والحرق.. فخلقوا بذلك وعيًا لدى المواطن، وترقب وانتظار لما ستفعله المعارضة، ووجدنا أن اللغة الإعلامية كانت عالية وشديدة في مواجهة المُعارضة.
ووجدنا المعارضة تُلقي بورقة التوقيعات من خلال حملة تمرد وأعلنت عن رقم 22 مليون توقيع ضد مرسي، فرد المؤيدون بحملة تجرد وصلت إلى 26 مليون توقيع، وسيسعون لأكثر من ثلاثين مليوناً.
وحشدت المُعارضة في التحرير وأعلنت الاعتصام، فردت القوى المؤيدة بثلاث مليونيات بدأت من الجمعة الحادي والعشرين من يونيو، ثم الثامن والعشرين، ثم الثلاثين، وأعلنت الاعتصام.. ومن المعروف أن القوى الإسلامية هي الأكثر تنظيمًا وقدرة على الحشد والتنظيم النظيف. ولقد راهنت المعارضة بل دعت الجيش بالتدخل والانقلاب وإعادة سيطرته على الوضع السياسي، فإذا بالرئيس مرسي ومن خلال رئاسته العُليا للقوات المسلحة ومجلس الأمن القومي يقرر نشر الجيش قبل ثلاثة أيام لتوفر الحماية لكل المنشآت والمؤسسات الحيوية. وخططت المعارضة للعصيان وتعطيل المرافق الحيوية وشل الحياة، فإذا بالمؤسسات تعمل، والمرافق لم تتوقف، بل وحققت البورصة أرباحًا غير متوقعة، والمعابر والمنافذ البرية لم تُغلق.. ومازال المشهد مستمرًا، وتحت الترقب والانتظار النهائي.
ولهذا السجال دلالة مفادها أن المشهد ليس خالصًا وحاسما للمعارضة، وأن الخطوات الاستباقية لأنصار الرئيس حدت من الظواهر الخطرة، وساهمت بتحقيق نسبي لسلمية المشهد الميداني، ولم يعد يوم الثلاثين يومًا خالصًا لمعارضي مرسي، بل عبر الشعب عن رأيه المؤيد والمعارض، وفي ذلك معاكسة للشعارات التي رُفعت أن الشعب كله مع تبكير الانتخابات الرئاسية، فلو افترضنا أن الانقسام في الموقف الشعبي هو الذي أفرزته الانتخابات والاستفتاءات السابقة فهذا يتطلب احترام الشرعيتين: شرعية الانتخابات، وشرعية الميدان. والتي جاءت لصالح مرسي في الاثنتين، لأن المشهد لم يختلف.
وفي ذلك عبرة لكل المختلفين إذا أخلصوا النوايا، أن يُبطلوا تدخل شياطين الإنس قبل الجن التي تدخلت وقسمت الثوار الحقيقيين إلى قسمين، ويُنظفوا ما علق بالثورة من فلول وأصحاب نفوذ ومصالح، ومن التدخلات الخارجية.
كما أن الأمر يتطلب الجلوس للحوار الشامل المبني على التكافؤ وغير المشروط لاستكمال بناء المؤسسات الدستورية التي تكفل الحريات، وممارستها، ونشر الوعي تجاهها.. فلا يوجد أمام كل المصريين إلا هذا الطريق أما غيرها فلا مجال لها إلا الفشل.

