قلنا في مقال الأمس:إن حل عقدة الانقلاب ممكن ما لم يسفك الدم الحرام، فماذا عسانا أن نقول بعد أن سفك الدم الحرام بغزارة غير مسبوقة، وفي بيت من بيوت الله، في صلاة الفجر، في الركعة الثانية في ركن السجود، قبيل رمضان المبارك بيوم أو يومين على أكثر تقدير؟ .القتل كان غدرا، وكان انتقاما، أكثر من 50 قتيلا ومئات الجرجى في أقل من ثلاث ساعات؟ .القتل كان مباشرا ومتعمدا، ولا يحمل أي معنى من معاني الرجولة، أو نيل الخصومة، ولايدل على قوة وصلابة الأرض التي يقف عليها القاتل؟!
القتل كان بالرصاص الحي، وبالخرطوش، وكانت ثمة عرقلة لعمل سيارات الإسعاف، وتحفظ استبدادي على الجرحى في المستشفيات. ومع أن كل الشهادات الحية تدين الجيش وتحمله مسئولية الدماء، وتصف الحدث بالجريمة وبالمجزرة، إلا أن الجيش يبرر ما حدث بلغة الأنظمة القديمة، رغم أن الصور تكذب رواية الجيش.
القتل المتعمد، والقتل الذريع على هذا النحو خرج من رحم الارتباك الذي دخل فيه قادة الجيش، بعد أن قدرت (سي إن إن) عدد المتظاهرين أول من أمس في القاهرة والمحافظات بخمسة وأربعين مليون متظاهر لاستعادة الشرعية.
الارتباك أن أنتج القتل العشوائي الذريع، لم ينتج فقط من كثرة الأعداد المطالبة بالشرعية وبمحاكمة قادة الانقلاب فحسب، فهو أيضا متأثر بحالة الفشل في تشكيل الحكومة من شخصيات وطنية محترمة، فكل المحترمين يرفضون العمل مع الانقلاب مهما كانت أسبابه ومبرراته.
الارتباك الذي أنتج القتل الدموي خرج من رحم الحسابات الخاطئة لقادة الانقلاب، وهي حسابات خاطئة على المستوى المحلي وخاطئة أيضا على المستوى الدولي، ولو عقل قادة الانقلاب أن عاماً من الحرية الديموقراطية في عهد محمد مرسي قد انتخب مع الثورة جيلا ًجديداً، وعالماً مصرياً متغيراً جداً لا يخاف الدولة ولا رجل الأمن ولا رجل الجيش.
ربما أخطأ محمد مرسي في بعض الأعمال الإدارية، ولكنه نجح نجاحاً باهراً وغير مسبوق في العالم العربي في باب الحريات العامة وإرساء قواعد الديمقراطية، وحرية الإعلام، ونزاهة القضاء، وحفظ الدماء، وسيادة القانون، وسيبقى هذا النجاح هو المعيار الذي يقيس به الشعب المصري.
التجارب التالية. الآن يترحم الشباب والمثقفون والوطنيون على حكم محمد مرسي، ويتمنون لو دام في الحكم أربع سنوات، حيث لا دم ولا اعتقالات، ولا استبداد بقوة السلاح.
اليوم الشعب المصري كله عدا المنافقين يمنحون محمد مرسي والإخوان شهادة تزكية، وشهادة طهارة، ويسخرون من كل القنوات الإعلامية المنافقة، ويحتقرون جبهة الانقاذ، ويتهمونها بالضلوع في الانقلاب، وسرقة الثورة، وعودة الجيش إلى الحكم.
أمام مشهد الدم استفاق حزب النور، وحزب مصر القوية، من غفلتهما التي رسمت معالمها وخيوطها كراهيتهم للإخوان وخصومتهم لهم.
استفاق هؤلاء بعد أن منحوا الجيش رخصة قيادة، ورخصة لسفك الدم، ورخصة لهدم الحرية والديموقراطية التي ظللهم بها محمد مرسي على حساب شخصه ومنصبه كرئيس محترم منتخب للجمهورية.
الدم خرج من هذه الأرحام كلها، ومع ذلك فرصة للحل فثمة فرصة للحل بمبادرة من الجيش باحترام الشرعية، وثمة فرصة للنصر أمام الشعب ما تمسك بالسلمية، وما تمسك بالحريات وبحقوقه بلا خوف من الدم.

