لا يختلف موقف الدكتور محمد مرسي حين رفض أن يعزل نفسه من الولاية الشرعية والحكم عن موقف الخليفة الراشد عثمان بن عفان رضي الله عنه الذي رفض أن يخلع قميص الولاية والخلافة وأن يعزل نفسه ، تحت تهديد السلاح والقتل، والفارق الوحيد بين الحالتين أن سيدنا عثمان قتل وسال دمه الزكي على المصحف والصحابة في حالة ذهول، بينما عزل محمد مرسي ووضع في مكان مجهول تحت الإقامة الجبرية بتهديد السلاح .
تمسك الخليفة الراشد عثمان رضي الله عنه بالخلافة والرئاسة لا حباَ لها ، ولا طمعاَ فيها ، ولكن حتى لا يكون التمرد والعزل سنة مكررة مع الخلفاء والأمراء من بعده ، لا سيما وقد نبهه إلى ذلك المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى محمد صلى الله عليه وسلم .
تمسك عثمان رضي الله عنه بالشرعية التي حازها بالبيعة العامة حيث أجمعت عليه الأمة قاطبة ، ليحفظ للأمة من بعده نظاماَ سياسياَ يكون حكماَ ومرجعاَ لها ، وليخرج السيف والعسكر من المشهد ومن القرار .
تقبل عثمان رضي الله عنه القتل لكي يبقى النظام المدني الذي لم يرفع سيفاَ في وجه المتمردين . ولم يأمر أحداَ من أتباعه برفع سيفه دفاعاَ عنه تعظيماَ لحرمة الدماء ، وحراسة لنظام الحكم المدني في الأمة ، ولو أمر بمواجهة السيف بالسيف لاستجابة لأمرة الأمة من مشرقها إلى مغربها، ولكنه قرر المواجهة السلمية لأنها الأداة الأجدى والأقوى والأبقى في مثل هذه المواجهات .
قتل المتمردون من رعاع العراق ومصر الخليفة الراشد ، واضطربت دار الخلافة والأقاليم اضطراباَ شديداَ ، واستفحل القتل في العامة والخاصة ، ولم يتوقف حتى قتل الله كل من شارك في التمرد على الخليفة، وكان لكل مقتلة منهم قصة وعبرة . لقد فتح الرعاع والدهماء على الأمة الإسلامية أبواباَ من الفتن الحالقة ، بينما كان بقاء الخليفة في منصبه حصنا عاصماَ من الدم ،وسياجاَ مانعاَ لها من التمزق. إنهم حين خلصوا إليه بالقتل ، قتلوا بقتله أمة ونظاماَ ، وهدموا حصنا حصينا للأمة، ودمروا مستقبلاَ مشرقا، وفتحوا باباَ من الشر لم يغلق حتى الآن .
كان التمرد على عثمان رضي الله عنه هو أول انقلاب يعتمد على السيف ويقوم على حسابات خاطئة يقوده إعلام عبد الله بن سبأ اليهودي، وينتصر لإشاعاته الرعاع والجهلة والبلاطجة. لقد تهيأ مسرح الجريمة تماماَ من خلال الإعلام والإشاعة ، ولكن الخليفة رفض ان يعزل نفسه ، واستمسك بالشرعية ، رافضاَ للسيف ، مقدما مصالح الأمة على مصالحه وعلى حياته ، لأن الخروج الآمن ينبغي أن يكون للدولة الباقية وللأمة الدائمة ، لا للفرد الفاني وللحزب الزائل .
إن في إعلام الكراهية اليوم من يهون من مفهوم ( الشرعية الدستورية ) ويقلل من شأنها تعظيماَ منه للسيف رغبة أو رهبة ، وتلبيساَ على المسلمين في كل مكان ، بينما الحقيقة الراسخة تقول إن دماء الخليفة عثمان رضي الله عنه قد عظمت مفهوم (الشرعية الدستورية) في حفظ الأمة في دمائها وأموالها، والاعتصام بنظامها السياسي، وبسلامة عقدها الاجتماعي. فاغمد السيف ونظر الى المستقبل نظرة من يثق بنصر الله ورحمته.

