غزة – الرأي - هدى أبو قينص
حينما يفتقدن الكثير من بهجة الحياة، ويعشن بغربة قاتلة وحالة عبث داخلية، وتتشابه أيام حياتهن وتتوقف ساعات يومهن ويصلن إلى حدود التجمد بالعواطف والمشاعر دون أن يكترث بهن أحد، إنهن نزيلات سجن أنصار غزة.
سجن النساء مكان واسع مكون من طابقين له بوابتين خارجيتين تتوسطهما حديقة واسعة مزروعة بالأزهار وكأنها متنزه عام، في الطابق الأول الإدارة العامة ومن جهة اليسار سجن الرجال، وفى الجهة اليمنى بوابة داخلية تصلنا بعنبر النساء الذي يحتضن (30) نزيلة تقطن في غرف مجاورة، يعشن في جو أسري.
لا تُرتكب جريمة من غير سبب ولا طفل يولد وينفطم على الأذى بل إن نفس الطفل صفحة بيضاء تخط بها الأم ما شاءت، وليس اليتيم من انتهى أبواه من هم الحياة وخلقاه ذليلاً ولكن اليتيم هو الذي تجد له أماً تخلت عنه وأباً مشغولاً، هذا هو حال النزيلة "ف. م" –كما قالت- فهي سيدة مطلقة عشرينية العمر ولدت وعاشت بالقدس مع أبيها المقدسي وأمها الغزية لمدة سبع سنوات فقط.
تعاطي المخدرات
سردت" ف.م" لـ "الرأي" قصة معاناتها مرتدية لباس الصلاة ترتسم على محياها ابتسامة ضعيفة، قائلةً: "عشت مع أمي وأبي سبع سنوات فقط ثم انفصلت أمي ورجعت إلى غزة، ولم يلبث أبي سنوات قليلة بعدها حتى وافته المنية فأصبحت بمفردي في القدس أتعطش لحضن أمي وافتقد حنان أبى وكبرت وترعرعت في القدس ووجدت نفسي حرة طليقة أعيش بمفردي لا أحد يسال عني أو يراقب تحركاتي".
تابعت قائلة ورأسها مطأطأ أرضاً: "لجأت لتعاطي المخدرات وأصبحت مدمنة من الدرجة الأولى، ضاق بي الحال ثم قررت الذهاب إلى غزة لأرى أمي وعشت معها خمس سنوات، كنت لا أرتدي الحجاب وأتعاطى كل أنواع المخدرات حاولت أمي منعي وعلاجي ولكن دون جدوى، فحين افتقد المخدرات أكسر البيت أحطم كل شيء حولي".
استوفت حديثها وشفتاها ترتعش وجعاً: "حاولت أمي نصحي واحتوائي وإنقاذي من وحل الرذيلة التي كنت أعيش فيها فعرضتني على مصحة نفسية وهربت منها، إلى أن وصل بها الحال بأن فكرت مع زوج أختي أن تسلمني للشرطة، لأحول بعدها إلى سجن الكتيبة، ومن ثم نقلت إلى مركز التأهيل والإرشاد في أنصار".
حياة جديدة
وأضافت والابتسامة تعلو محياها: "منذ تلك اللحظة التي خطت فيها قدماي المركز، شعرت وكأني ولدت من جديد خاصة عندما التقيت النقيب "أم أحمد" التي غيرت حياتي للأفضل، فكانت تتحدث معي بكل رقة وحنان غير مسبوق لم ألمسه حتى مع أمي، واحتوتني بكل طيبة وغرست في حب الدين حتى أنني شعرت باعتناقي للإسلام لأول مرة".
ختمت حديثها بدموع منهمرة "أنا نادمة على كل يوم مضى من عمري وأتمنى من أيّ شابة ضلت طريقها أن تعود إلى رشدها وتتقرب من الله والدعاء بالهداية والبعد عن الحرام ورفيقات السوء".
"الرأي" التقت النقيب جازية مدير سجن النساء بمركز التأهيل والإرشاد لشرح ظروف النزيلات قائلةً:" تأتى النزيلة نحتويها وندرس نفسيتها والظروف المعيشية التي عاشتها، وما هي الأسباب التي جعلتها تلجأ إلى الطريق غير السليم، ومن ثم نعمل على تجريدها من السيئات ونفتح أمامها أبواب الإرشاد والوعي الديني والأخلاقي والنفسي".
إصلاح النزيلات
وأشارت إلى أن إدارة السجن تتيح الفرصة لتقديم يد العون والمساعدة لها سواء من وزارة الأوقاف ووزارة شؤون المرأة ونقابة المحاميين وكل ما يصب في إطار إصلاح النزيلات لتقوية علاقتهن مع الله أولاً والأهل ثانياً عن طريق التزاور لتطوير علاقتها في المجتمع.
ومن جانبها، قالت رئيس قسم الوعظ والإرشاد بدائرة العمل النسائي بوزارة الأوقاف والشئون الدينية نادية الغول: "نتوجه لإدارة السجن من أجل عقد دروس لأكبر فئة محتاجة للدعوة والإصلاح نقدم ما لدينا".
وتابعت قائلةً: "لو رأينا إنسانة واحدة فقط استفادت والتجأت للصواب نشعر بأننا صعدنا على سلم النجاح، وبالنسبة للدروس تكون في البداية يوم واحد بالأسبوع ولكن أصبح لنا نشاطات متعددة لأننا لمسنا الإلحاح والاستعداد التام".

