غزة -الرأي-آصال أبو طاقية:
"إذا لم تزد على الحياة شيئاً فأنت زائداً عليها"، كريمة أبو شحمة ذات الأربعين عاماً، رأت بعينيها اللواتي لم تبصر بهما نور الدنيا، حُلُماً لطالما سعت إلى تحقيقه، وهو أن تنير دروب الآخرين بما منحها الله من نور الدين.
فوراء غياب النور عن عينيها إرادةٌ قوية، وقصة نجاح سطرت حروفها بأناملها التي أجادت قراءة اللغة العربية، ونهلت من منابعها، لترويها "الرأي".
بداية القصة كانت حين ولدت كريمة وهي تفقد واحدة من أعظم نعم الله على الإنسان، إنها نعمة البصر، لكنّها مُنحت البصيرة، ومنذ أن بدأت تخطو خطواتها الأولى، كانت كلما تعثرت تستعيد عافيتها لتقف مجدداً تحمل لواء التحدي.
درست الابتدائية في ربوع القدس المحتلة، وتابعت دراستها الإعدادية والثانوية في مدرسة المكفوفين بمدينة رام الله ثم التحقت بقسم الشريعة الإسلامية في جامعة الخليل بالضفة الغربية.
عادت لمدينة غزة عام 1995م، لتسلك دروب الواعظات والمحفظات في وزارة الأوقاف، وتابعت مشوارها الدعوي لتحصل على بكالوريوس القراءات العشر من كلية الدعوة بدير البلح.
ولم تكتفي بذلك، فقد نجحت بامتياز في أن تخلق واقعاً جديداً ومغايراً، لتثبت أن الإنسان هو من يوجه الظروف ويخلق الإمكانات ولا ينقاد وراء ظروفه أو يقبع حبيساً لها.
وامتهنت أبو شحمة كتابة الشعر والخواطر حباً في اللغة العربية، وإحياءً لها في نفوس الناس، فدونت 84 قصيدة شعرية، شاركت بها في مسابقات عديدة وحصلت على مراتب متقدمة فيها.
حفظٌ عبر الهاتف
استطاعت أن تسخر التكنولوجيا التي لم تدرك ماهيتها كما الباقين، لكنها حفظت القرآن وأكدت حفظه عبر الهاتف!!
وعن ذلك تقول أبو شحمة لـ "الرأي": "بعد تخرجي من جامعة الخليل عكفت على حفظ القرآن الكريم بمفردي، وكنت أتلو القرآن على صديقاتي لساعات طوال عبر الهاتف كي أُتم حفظه".
وتابعت "كنت أتلو وأسمعُ لنفسي، وتارةً يُسمعُ لي والداي، وبحمد الله كافحت كل المصاعب التي واجهتني في حياتي خاصة أنني كفيفة".
وأضافت والابتسامة تعلو محياها: "حاولت بكل جهدي وطاقتي أن أوازي بين عملي الدعوي كمحفظة وواعظة وبين دراستي، فكنت أُحَفظُ الفتيات ومن ثم أخرج لاستكمال دراستي إلى أن أنهيتها".
رحيل موجع
تابعت كريمة حديثها والغصة بدأت على ملامح وجهها وصوتها: "والداي هما صاحبا الفضل الأكبر والشكر الأعظم بعد إلهي فكانا لا يبخلان بجهد أو وقت لأجلي، عانيا معي في إيصالي لكل مكان أريده".
وأضافت "أمي كانت توصلني وكنت استشعر البسمة التي لم تفارق محياها، عدا عن والدي الذي كان يوصلني للمسجد ويحثني على المضي في الطريق، إلاّ أنه في الفترة الأخيرة أوكل سيارة لنقلي وكأنه يمهد لشيء ما".
صمتت لحظات وكأنها تستذكر أيام حزينة على قلبها وتضيف: "إلا أن قدر الله نافذ في عباده، حيث رحل والدي قبل ثلاثة أعوام لتلحق به أمي بعد أربعة أشهر من وفاته، كنت معتادة دوماً أن أعود من عملي أجد والداي في البيت يثنيان علىّ ويعيناني على إكمال مسيري".
وتابعت حديثها: "واستمراراً لوصية أمي وسيراً على خطاها، في كل يوم يجتمع الناس في بيتنا لصلاة التراويح في شهر رمضان المبارك، ومن ثم أعطيهم بعضاً من الدروس الإيمانية".
وفي كل طريق لابد للمحن أن تعتليه، وعن هذه المحن عانت أبو شحمة في دراستها من صعوبة الانتقال بين المناطق المختلفة لإكمال دراستها، إضافة عدم توفر الكتب المقررة دراسياً بطريقة "ابريل" –الطريقة المخصصة للمكفوفين- فكانت تمضي إجازتها في كتابة الكتب حيث يملي صديقاتها عليها وهي تكتب ما تريده .
تخريج 74 حافظة!!
وتابعت: "في بداية مشواري واجهت الكثير من السخرية والامتعاض، إلا أنني جابهت كل ضائقة واتخذتها محفزاً لاستكمال الطريق"، مبررةً ذلك بأنها لا تريد الاستسلام لتتمكن من الوصول إلى غايتها.
وعبّرت أبو شحمة عن سعادتها أنْ منَ الله عليها بتخريج 74 فتاة حافظة للقرآن الكريم، وأنها عملت على إيصال دعوة الله للناس امتثالاً لأمر الله لعباده وحباً لأجره وعطاءه.
واختتمت أبو شحمة حديثها بآمال تختزلها، متمنيةً أن تتحقق في الحج إلى بيت الله الحرام وتثبيت حفظها لكتاب الله تعالي والاستمرار في نشر دعوة الله.

