بعد نجاح ثورة 25يناير 2011 في مصر انتعشت المواقف الفكرية والسياسية التي تدافع عن الثورات الشعبية، وعن السلمية، لإسقاط الطغاة والمستبدين، ويومها مدّ الناس ألسنتهم سخرية بمنهج القاعدة وغيرها من الجماعات التي تؤمن بالسلاح والقوة العنيفة للتغيير .
كان نجاح تونس ومصر في ثورتهما مصدر أمن وحماية للبلدين من انتشار فكر التطرف، وأعمال العنف القاتلة، ولكن هذا النجاح الذي قدم الأمن والحماية من التطرف والعنف فشل مؤخراً في مصر على يد العسكر الذين نظموا انقلاباُ دموياً على ( السلمية )، وفتحوا على بلادهم ومجتمعاتهم أبواباً واسعة لفكر التطرف واستخدام السلاح .
الآن يمدّ أيمن الظواهري لسانه مستهزئاً ( بالسلمية ) وساخراً من الإخوان ومن التظاهرات الشعبية التي لا تحميها القوة المسلحة . اليوم ينتشي فكر القوة، وفكر التكفير، ويقدم نفسه بديلاً لوسطية الإخوان وسلميتهم بعد أن رأى دعاته دولاً عربية ثرية تلتقى مع ( إسرائيل ) ومع ( أميركا ) ومع (الانقلاب) في استئصال الإسلام، وقتل أبنائه في مصر .
ما من شك أن منهج الإخوان ( السلمي ) هو الآن في امتحان عسير في نفوس شباب الاخوان وفي نفوس حلفائهم من التيارات الاسلامية، بل وفي نفوس أنصار ثورة 25 يناير و أنصار الديمقراطية .
قادة ( السلمية ) سيدافعون عن منهجهم السلمي، ولكن لا يملكون للأسف فرص جيدة لإقناع الشباب، بل ولإقناع الأهالي والمصريين بعد مجازر رابعة وغيرها، وبعد أن رأوا أن الغلبة للرصاصة على الشعب .
ثمة صراع حقيقي خلقه الانقلاب العسكري في النفوس بين ( السلمية والسلاح )، حيث تميّل كفة الصراع الآن لخيار السلاح والقوة، بعد أن اعتقل العسكر السلمية ورجالها وأسالوا دماءها دون نظر في العواقب الخطيرة. ثمة فئة من كبار السن بدأت تتوسط في طرحها مطالبة بالتوازن بين السلمية والعسكرية، على قاعدة أن الحق يحتاج إلى قوة تحميه، وهذا في حد ذاته يعني تراجع( السلمية ) وتقدم العسكرية المسلحة .
العسكرة المسلحة خيار صعب ودموي تعيشه سوريا منذ بضع سنين، والسلمية من طرف واحد صار خياراً أصعب في نفوس المتضررين من تغول الدولة و الجيش، وقتلها للمسالمين قتلاً ذريعاً يذهب معه العقل وتذهب معه الحكمة .
مراكز الخبرة والأبحاث في أميركا وغيرها تحذر قادة بلادهم من قتل خيار الوسطية، وخيار السلمية، بغباء القوة العسكرية الغاشمة، لأن هذا الغباء يفتح أبواباً لا تغلق أمام القاعدة والتطرف والخيار العسكري، و يغرق مصالح أميركا في المجهول، وعندها ستفقد أميركا أوراق القوة التي تحتفظ بها من خلال التفاهمات السياسية مع الحاكمين .
فشل الوسطية، وتراجع السلمية، هو عنوان كل مخرجات الانقلاب في مصر، وبالذات بعد فض اعتصام رابعة الدموي، وبعد تصاعد حملة الاعتقالات المسعورة ضد قادة السلمية ومفكريها، ومن ثمة فإن حديث الأطراف وبخاصة الدولية عن مسار ديمقراطي حقيقي قد ينقذ الموقف من التدهور، ولكن هذا المسار يرفضه العسكر، لأنهم يريدونه مساراً مزيفاً بلون بدلة ( الكاكي ) .
هذا الرفض يضر بالمجتمع هذا شيء مؤكد، ولكنه سيضر لاحقاً بالجيش نفسه لا محالة، لأن الجيوش لم تخلق لقتل شعوبها التي صنعت الجيش ومولته، إنما خلقت لقتال الأعداء .
إن فكرة التغلب بالقوة المسلحة لم تنجح في التجارب الأوروبية، وهي لن تنجح في المجتمعات الاسلامية والعربية، ولا خيار أمام الأطراف غير الخيار الديمقراطي، وخيار السلمية.
إنه إذا استقر الحكم لغلبة القوة والرصاص، فسيلجأ المغلبون إلى الخيار نفسه رغماُ ليدفعوا الشر عن أنفسهم، وليحققوا النصر أيضاً .

