ما إن أعلن رئيس الوزراء إسماعيل هنية عن دعوته لتوسيع رقعة المشاركة في إدارة شئون قطاع غزة إلى حين إتمام تشكيل حكومة الوحدة الوطنية بحسب اتفاق المصالحة، حتى أصبح الأمر مثارا لمزيد من وجهات النظر المختلفة والمواقف المتباينة، وحُصرت المواقف السياسية تجاه الخطوة بين ترحيب بعض القوى والفصائل بها من جهة، وتريث البعض الآخر في الحكم عليها –رغم إقرارهم بايجابيتها- ريثما تتضح ملامح تلك الدعوة وتتبين تفاصيل المبادرة، في حين رفضتها حركة فتح مباشرة.
فتحت الدعوة تساؤلات عديدة من قبيل، لماذا الآن وليس من قبل؟ وكيف يمكن أن تتحقق هذه المشاركة؟ وهل موقف حماس يدل على أنها تتحرك في الساحة السياسية اليوم من موقف ضعف؟ هذه التساؤلات وغيرها من الأسئلة التشكيكية التي يمكن أن تفهم وكأن البعض يرى في المبادرة محاولة للتخلص مما يصفونه بمأزق حماس الحالي، بعد ما شهدته الساحة المصرية من أحداث، فيما يحاول آخرون أن يربطوا بينها وبين دعوة ما تسمى تمرد غزة، أو فكرة إعلان محمود عباس لقطاع غزة كإقليم متمرد.
اعتقد أن الناظر إلى هذه الدعوة لابد وأن يستذكر عدة حقائق تشكل إطارا مناسبا للحكم عليها، وأول هذه الحقائق أن دعوة حركة حماس لإشراك مختلف فصائل العمل الوطني في تحمل المسئولية ليس مفاجئا أو غير مسبوق، فقد قطعت الحركة على نفسها منذ اللحظات الأولى لظهور نتائج انتخابات 2006م التي أعطتها الأغلبية، قطعت عهدا بعدم الاستفراد بالحكم، ورفعت شعار "شركاء في الدم..شركاء في القرار"، وخاضت مفاوضات مع مختلف القوى السياسية لتشكيل حكومة وحدة وطنية، وهذا النهج حافظت عليه حماس رغم تعنت تلك القوى والفصائل وعدم قبولها وتقبلها لنتائج تلك العملية الديمقراطية حتى الآن.
وثانيا: حركة حماس لا تستند في حساباتها السياسية على المصلحة الآنية أو المنفعة الذاتية بقدر ما تستحضر المصلحة الوطنية والعامة، وليس أدل على ذلك من موقفها في الأزمة السورية وانحيازها إلى جانب الحق على حساب المصلحة، وإذا اعتبر البعض أن موقف حماس قد جاء من ضعف فليراجع حساباته، فهي لم تلن في مواقفها الثابتة والمبدئية تحت القصف والتدمير، وخاضت حربين مع الاحتلال ثمنا لهذه المواقف، فلا هي يرهبها تآمر المتآمرين، ولا يثنيها عن ثباتها تخاذل المتخاذلين.
ثالثا: تؤكد حماس أنها تتحرك في هذا الموج المتلاطم وفق رؤية واضحة لا تحيد عنها، وهي في إطار تنفيذها لهذه الرؤية تناور ولا تقف جامدة وتتخذ القرارات المناسبة في التوقيت الموائم، فالسياسي الذكي ليس هو الشخص الذي يتخذ القرار الصحيح، لكنه أيضا الذي يتخذه في التوقيت الصحيح.
رابعا: أكدت حركة حماس في مختلف محطات إدارة ملف المصالحة على إعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني على أسس الشراكة والتوافق في القضايا الوطنية، ولم تلتفت كثيرا للمؤامرات التي حيكت لتقويضها بتخطيط ودعم خارجي وتنفيذ داخلي، وانتصرت على كل الصعوبات والعراقيل التي واجهتها طوال السنوات الماضية، وتغلبت على كافة التحديات التي واجهتها، ومحاولة البعض التقليل من قيمة المبادرة ورفض اليد الممدودة، واعتبارها تأتي في وقت ضائع، وتصورهم أن الدعوة وليدة موقف ضعف وتفسيرهم على غير ما أراد ويقصد مطلقها، لا يغير من أهميتها وضرورة قراءتها قراءة جيدة ومتأنية، بل وتلقفها كمخرج مناسب من حالة الانسداد التي تعاني منه الساحة السياسية الفلسطينية الداخلية وتخفيف حدة الاحتقان في الشارع الفلسطيني، أما إذا أرادوا أن يراهنوا على مستجدات الأوضاع الإقليمية ومتغيرات الساحة السياسية، فعليهم أن ينتظروا كثيرا وكثيرا جدا.
سلامة معروف
مدير عام المكتب الإعلامي الحكومي

