" الاستعلاء" مرض ( نفسي وسياسي ) أيضاً يصيب الافراد والجماعات والأحزاب، ولأنه مرض فقد وصفه الخالق سبحانه بالخيبة والخزي في قوله تعالى " وقد خاب من استعلى "؛ ولا استعلاء أنواع ومظاهر، ولعل أشد أنواعه إجراماً وعدوانا هو استعلاء المخلوق على الخالق كما يحكي القرآن في قصة فرعون مع موسى عليه السلام. وقد انتهت بهلاك فرعون غرقاً، وإن أنجو الله جسده عبرة .
من أنواع الاستعلاء العدوانية استعلاء الإنسان على أخيه الإنسان ظلماً، واستعلاء الحزب على غيره من الأحزاب عدواناً وظلماً، وهذا النوع هو ما نعيش فصوله و مظاهره في العمل السياسي العربي والفلسطيني أيضاً .
الاستعلاء الشخصي أو الحزبي يستند إلى عناصر من القوة الخارجية المستمدة من الأجنبي أو من التآمر الدولي، أو من الجهل والفجور، فأنت لا تجد هذا المرض عند الشخص الذي يتمتع بقوة ذاتية، أو عند الحزب الذي يعتمد على نفسه وعلى قوة فكرته ووطنية أدائه .
كان فرعون موسى ضعيفاً في ذاته، مستعلياً على قومه باستخفافه لهم، وبقدرته على قتل رجالهم بطاعة عسكره لظلمه، وقد تمكن موسى عليه السلام من كشف ضعف فرعون، وهدم استعلائه، وإفشال قراره بقوة الإيمان بالله والتوكل عليه .
ومن ثمة عاب الفكر الديني، والتحليل السياسي على الشعوب استخزائها وضعفها أمام السلطان الجائر، ورتبّ الشارع الحكيم لمن خرج على ذلك الهوان والاستخفاف أعلى مراتب الشهداء .
ما حدث في مصر في ٣ يوليو هو نوع من الاستعلاء بقوة السلاح، ونوع من الاستخفاف بالشعب، وبقراره في خمس مشاهد انتخابية ديمقراطية، وهو نوع من الاستعلاء الفردي، والعسكري، لمن بيدهم قرار تحريك الدبابة وإطلاق الرصاصة، وبلغ الاستعلاء مبلغا مشيناً في تجريف الجثث وحرقها وحرق الجرحى وهم أحياء، مع اعتقال النساء، وإحراق المساجد .
وعلى إثر هذا الاستعلاء الذي يعاني من عدم القدرة على الاستقرار بسبب وعي الشعب بواجباتهم، ورفض قطاعاته لذلك الهوان والاستخفاف .
انتشرت جرثومة الاستعلاء، أو قل استنمرت عند نا في ظل حالة الارتباك في الاقليم وفي فلسطين فوجدت ( الضعيف، المرتبك ) يستعلى على الآخرين ويهدد غزة وحماس بإجراءات عقابية مؤلمة ما لم تستسلم لإرادته .
لقد تعددت التصريحات، وتنافس المصرحون بالويل والثبور لغزة ولحماس، وحددوا تواريخ محددة، وإجراءات محددة، بتحريض مرض الاستعلاء فردياً وحزبياً، وهم لا يملكون من عناصر القوة ما يؤهلهم على إدارة الضفة، ولا يملكون حتى التمرد على جندي أو مجندة في الحواجز٠
إسرائيل نفسها قالت إن انسحاب قواتنا من الضفة يعنى سقوطها في اليوم التالي في يد حماس، فكيف من كانت هذه حاله يستعلي سياسيا على شعبه وعلى غزة .
التصريحات المعيبة والمتكررة من قادة السلطة وفتح تستعلي على الله وعلى الشعب بالظهير الإسرائيلي، أو بحالة الانقلاب في مصر، أو بالظهير الأميركي، أو بالمال الحرام، وتنسى أنها لم تستطع حماية قلنديا من القتل، وتنسى أنها تعيش أسوأ حالات الضعف والهشاشة الذاتية منذ توقيع أوسلو وحتى اليوم ٠
خيار المقاومة ليس في أزمة، وأزمته هو في ضعفكم واستعلائكم٠ أزمته في مفاوضاتكم العبثية وفي قبولكم بالرؤية الإسرائيلية ٠ وأزمته في ممارستكم التجارة بالقضية الفلسطينية مع أنظمة عربية خدمة لقيادات محددة، وسياسات محددة ليس فيها خمصلحة للشعب الفلسطيني .

