مصر ابعد ما تكون عن الاستقرار ٠على هذا القول يجمع المراقبون . القتل لا يأتي بالاستقرار. القتل يستولد القتل. والاعتقال يسولد الرفض، والرفض يعبر عن نفسه بالمظاهرات. تظاهرات جمعة استرداد الثورة التي بدأت امس الجمعة في ٣٠/٨/٢٠١٣ جاءت حاشدة وقوية، وكانت واسعة الانتشار، فقد غطت القاهرة الكبرى والمحافظات كافة.
كسر المتظاهرون حاجز الخوف والقتل، وتحدوا تهديدات وزارة الداخلية وقادة الجيش، واخترقوا حواجز الأمن والجيش التي أغلقت الميادين الكبرى في القاهرة ووصلوا إلى قصر الاتحادية ، وجددوا فكرة الاعتصام.
يوم الثلاثين من أغسطس يشبه إلى حد كبير يوم الخامس والعشرين من يناير ٢٠١١، لم يكن المتظاهرون في يناير متأكدين من نجاح ثورتهم وخلع مبارك من السلطة، وهم اليوم في جمعة استرداد الثورة ليسوا متأكدين من نجاحهم وإسقاط الانقلاب، ولكنهم متفائلون بالنجاح ، وإشراقات الأمل تزيد في إصرارهم على الثورة وعلى النجاح، هتافاتها الغاضبة تحكي قصة حياتهم ، وتحكي مستقبلهم الذي يريدون.
لم يعد بمكنة قادة ٣يوليو الاعتماد على ورقة التأييد الشعبي أو التفويض الشعبي. لقد سقط تأييد الشارع وتفويض الشارع، كما سقط الفوتو شوب، أمام حشود ٣٠ أغسطس ، حيث أخمدت هذه الحشود كل الأكاذيب والادعاءات ومشت عليه باستيكة الثورة الحقيقية بدون فوت شوب أو اعلام السلطة، وعزلت الانقلاب عن الظهير الشعبي المزعوم ، وجعلته وجها لوجه مع الشعب والثورة.
لم يعد بمكنة اعلام الانقلاب أو اعلام أعوانه من رجال مبارك والحزب الوطني المنحل بقادر على التقليل من حجم هذه الحشود الشعبية الكبيرة التي تجاوزت حشود ٢٥يناير في العدد والغضب. ولم تعد مؤامرة التركيز على الإخوان واعتقالهم بقادرة على خديعة الشعب، وخديعة الثورة، بل حدث العكس تماماً فمصر أمام ثورة شعب الإخوان جزء منه ، وان كانوا الأكثر تعرضا للقمع.
الفارق بين اليومين، أعني يوم ٢٥يناير و٣٠ أغسطس ، هو ان قائد الجيش المشير طنطاوي رفض إطلاق النار على المتظاهرين، بينما أطلق قائد الجيش الفريق السيسي النار على المتظاهرين. هذا هو الفارق الأهم بين اليومين، ولكن من المعلوم الآن ان لدى الفريقين ، أعني السلطة والشعب تجربة خاصة وثرية من الفترة السابقة ، وهذا يعزز فكرة المشوار الطويل الذي يجب قطعه بحكمة وصبر من اجل الوصول إلى نجاح الثورة وإسقاط الانقلاب أو التفاهم الثوري مع الجيش.
الشعب المصري أنشأ في ٢٥يناير أجمل ثورة عرفتها البلاد العربية وربما بلاد العلم أجمعه، وقدم لمصر الحديثة اول رئيس مدني منتخب، وعاش معه سنة كاملة كانت من أجمل سنوات مصر في باب الحريات والكرامة الإنسانية والأمل في المستقبل وتحقيق النهضة، وكان شريكا حقيقا في الحكم وفي اختيار من يحكمة، وهو الان يتظاهر بقوة لانه يرفض التنازل عن مكاسبه وعن أجمل أيامه، وهذه المشاعر هي إلى جانب الشريعة والشرعية سبب استمراره في التظاهر رغم الرصاص القاتل.
إشراقة الأمل دينامو الحراك الشعبي المتجدد،وهو حرك لا يتوقف بمنطق العلم والتاريخ حتى تتوقف إشراقة الأمل ، ويموت الممكن في النفوس.

