أخبار » تقارير

جمع قشر اللوز وباع الترمس .. فأصبح طبيباً

02 آب / سبتمبر 2013 03:51

محمود قاسم أبو خاطر
محمود قاسم أبو خاطر

غزة -الرأي-آصال أبو طاقية:

يجمع قشور اللوز ونشارة الخشب وقطع الأثاث الملقاة في الشوارع؛ ليدفّئ شتاءَ بيتٍ متهالك المعالم يشكو من ضيقه الذي لا يتسع لساكنيه.

 يذهب لبيع الترمس والبليلة، بعد انتهاء دوامه الدراسي كي يجد ما يقتاتُ به وعائلته المكونة من 16 فرداً، لعلّه أيضاً يحقق حلماً في شراء بنطالٍ جديد يذهب به إلى مدرسته؛ لتجنب سخرية زملائه منه.

العين بصيرة واليد قصيرة

ولد محمود قاسم أبو خاطر بتاريخ 31/5/1973 م في مدينة خانيونس بقطاع غزة لأسرة فقيرةٍ وأب فارق الحياة منذ أن كان يبلغ محمود من العمر عاماً ونصف.

أنهى دراسته الابتدائية والإعدادية ثم الثانوية بتقدير "امتياز"، ليكبر ويكبر عبء الحياة معه، كما أن حبّه لدراسة الطب نما بداخله منذ صغره، إلا أن واقعه المرير لم يسعفه في ذلك.

انتقل محمود للعمل داخل الخط الأخضر في أحد المطاعم، مخبراً أمه أنه كان يود أن يرفع رأسها بدراسة الطب، إلا أن العين بصيرة واليد قصيرة.

أم محمود بذلت كل جهدٍ مضنٍ ليحقق فلذة كبدها حلمه، ذاهبةً لتجهيز أوراقه للسفر إلى ألمانيا لتسألها جارتها "فاحشة الثراء" ماذا تفعلين هنا؟!، فأجابتها: "أجهّز أوراق محمود ليدرس الطب في ألمانيا".

وما كان من جارة أم محمود إلا أن تطلق ضحكاتها المتعالية بمزيجٍ من كلمات السخرية اللاذعة، مستغربةً من أنه كيف لفقيرة "تشحد" تود إرسال ولدها إلى ألمانيا، وأنا صاحبة المال بالكاد أستطيع دفع أقساط ابني هناك، والذي لم يتم دراسته بعد ؟!

علمَ محمود بأمر إهانة جارته لأمه، ليشتعلَ في قلبه ألماً وتقتله الغصة، معلناً أن ينتقم لدموع أمه بتحقيق حلمها، ليذهب بعدها إلى ألمانيا وفي جيبه ألفا دولار فقط، متنقلاً للعمل هناك ما بين البناء والحراسة ليجمع مال الدراسة، فيما أتقن اللغة الألمانية خلال شهرين ونصف.

حلمٌ تحقق بإبداع

خضع أبو خاطر لامتحان الثانوية من جديد في ألمانياً ليحصل على المرتبة الأولى على مستوى ألمانيا كلها، مع منحة مجانية لاستكمال دراسته.

 وجنى أبو خاطر الامتياز في الطب العام، وتخصص المخ والأعصاب، والعلوم السياسية، والإسعافات الأولية كذلك، مختتماً دراسته بتخصص "علاج الآلام"، ليصبح أستاذ دكتور واستشاري جراحة المخ والأعصاب والنخاع الشوكي.

توّج عناء أبو خاطر وسهره الليالي الطوال بتعيينه معيداً في جامعات (هنوفر، وبون، ومونيستر)، ليصبح بعدها عضواً فعالاً في أكبر شركات الأدوية في العالم (Pfizer Academy)، وعضواً في منظمة الصليب الأحمر، ومشاركاً في العديد من الندوات العلمية الطبية العالمية في الكثير من دول أوروبا.

وقد أجرى العديد من العمليات الجراحية خارج ألمانيا برفقة وفودٍ من ألمانيا في دول العالم الثالث وقطاع غزة، بالإضافة إلى أنه أول من أجرى عملية استئصال غضروف الرقبة من الأمام بواسطة الميكروسكوب، وزرع الجمجمة في البطن أو المؤخرة.

درسٌ لا يُنسى

ولابد أن تكون كل بداية نجاح محفوفة بالصعوبات، فقد واجه أبو خاطر الكثير من المعوقات أثناء دراسته، كونه يعيش منفرداً ويعمل ويتعلم في آن واحد، بالإضافة إلى إرساله لمبالغ من المال لعائلته في غزة، عدا عن اعتبار الألمان لكل الأجانب الوافدين إليها سيئين حتى يثبتوا عكس ذلك لمدة تزيد عن العشرة أعوام.

وعزا نجاحه إلى رضا والديه ومثابرته الدائمة دون استسلامٍ ليأسٍ أو فقرٍ، بالإضافة إلى ثقته بنفسه، وضرورة الاعتماد على الذات، عدا عن وضعه لنفسه مكان المريض قبل اتخاذ أي قرار في حقه، آملاً تحسين المستوى الطبي في القطاع.

عاد أبو خاطر إلى قطاع غزة محققاً حلم أمه التي لطالما انتظرته سنوات طويلة؛ ليعمل في المستشفى الأوروبي ومستشفى الخدمة العامة، مقدماً عظيم امتنانه لوزارة الصحة لاحتضانه له، ودعمه بشكل كامل للعمل ضمن طواقمها المميزة.

وأوضح أبو خاطر لـ "الرأي" أنه اشترى بيتاً مقابلاً لبيت جارته التي أهانت أمه في يومٍ ما، ليعلمها درساً أن الفقر ما عاب يوماً صاحبه، إنما كل العيب في ازدراء الآخرين.

متعلقات
انشر عبر
إستطلاع للرأي
جاري التصويت ...
ما مدى رضاك عن أداء المؤسسات الحكومية بشكل عام؟