غزة – الرأي – شعبان عدس:
تعُج شبكات التواصل الاجتماعي أو ما عُرف بـ"الإعلام الجديد" مؤخراً بعددٍ لا حصر له من الأخبار والمعلومات التي تتنقل بين المستخدمين كانتشار النار في الهشيم، في ظل الأحداث المتسرعة التي يشهدها العالم والمنطقة دون النظر لدقتها، فتصبح سيفاً سليطاً يهدد قوة المجتمعات ويخدم أعدائها.
ويُعد الإعلام الجديد بأدواته المختلفة الـ "فيس بوك – تويتر – اليوتيوب – المدونات..ألخ" مضاداً للإعلام التقليدي كونه لم يعُد فيه نخبة متحكمة أو قادة إعلاميين، بل أصبح متاح لجميع شرائح المجتمع وأفراده الدخول إليه واستخدامه والاستفادة منه طالما تمكنوا من إجادة أدواته.
طبيعة الاستخدام تحكم
ويبين الناشط الشبابي خالد صافي أن الإعلام الجديد يعتمد في نتائجه على طبيعة الاستخدام نفسها، في ظل أن مجالات الاستفادة منه تتراوح بين الإيجابية والسلبية، موضحاً أنه عند الانخراط في الجانب المشرق بنشر الفضائل والتركيز على الأخبار الصحيحة وتقديم المعلومة المفيدة والثقافة النافعة يتحقق الوعي الفكري، الذي يقضى على بؤر الخراب التي تنخر في رقي الأمة وازدهار شبابها.
وقال صافي في حديثه لـ"الرأي": "منذ أن وجد الإعلام الجديد لم يكن هناك إطار يرسم هيئته وطريقة التعامل معه، حيث كان الهدف من شبكاته المختلفة التواصل والوصول لأكبر شريحة ممكنة من الأصدقاء، لكن يبدو أن المستخدمين أنفسهم هم من انحرفوا بالمسار لتوجهات متباينة".
ونوه إلى أن الكثير من رواد الإعلام الجديد حاولوا لي عُنق الأدوات بهدف الجدل والنقاش العقيم، أو للتنظير الطائفي والفئوي أو لنشر الشائعات والأكاذيب والأخبار المفبركة عبر صفحاتهم الشخصية.
وأشار إلى أن الإعلام الجديد يصنعه الجمهور ويتحكم في اختياراته الشباب ويوجه دفة حواره الناشطون، وبين لحظة وأخرى تتغير طبيعة المنشورات وينتقل المغردون من مهنئين إلى مواسين، ومن محللين إلى إخباريين، ومن مجرد متابعين إلى وكالات رصد وبث ونشر وتوزيع.
وأضاف "لا عجب أن تجد لدى الكثير من رواد شبكات الإعلام الجيد رؤية تحليلية لأحداث تجري على أرض الواقع وتكهنات للمستقبل، ولكنها لا تعدو كونها عنفوان الشباب وحماسة انخراطه في متابعة المنشورات المختلفة، واقترابه فئات المجتمع المختلفة وفي مقدمتهم صناع القرار، أما ما يجري على أرض الواقع فقد ثبت بما لا يدع مجالاً للشك أنه غير قابل للتوقع ولا التحليل".
سُبل المكافحة
وتابع صافي "كثيراً ما تُوصف الشبكات الاجتماعية بأنها أرض خصبة لانتشار الشائعات، ذلك لأنها توفر الأدوات السهلة لكافة المستخدمين لنشر أي خبر دون الرجوع لمصدر أو لجهة رسمية، إضافة إلى أنها توفر طرقاً أسرع في نشرها على مستوى محلي وعالمي في وقت قياسي".
وكشف عن وجود هيئة لمكافحة الشائعات تحت عنوان (no_rumors@) تهدف لنشر الأخبار المفبركة وبيان زيفها لجمهور المتابعين على "تويتر" من خلال نشر المعلومة الحقيقية ومصدرها الرسمي الموثوق، وقد لاقت المبادرة اهتماماً كبيراً حيث أن هناك ربع مليون متابع لها وهم في زيادة.
وعد البقاء بالقربٍ من مصدر أغلب الشائعات بمثابة خطوة هامة في سبيل القضاء عليها قبل الانتشار، منوهاً إلى أن الناشطين على مواقع الإعلام الجديد تنبهوا لهذا الخطر ويسعون دوماً للبحث عن مصدر الخبر الصحيح قبل نشره.
وشدد على أن قوة الإعلام الجديد تنبع من كونه حر المصدر وغير مرتبط بزمان ويرتكز في مصدر المعلومة على المواطن نفسه، "ومن مواطن القوة تلك كان الضعف" بعد أن أصبحت المصداقية على شفا جرف انهار، بعدما استخدمه الكثير بالترويج للشائعات وأفكار تياراتهم وأحزابهم بأخبار مزيفة وأفكار مغلوطة.
ودعا رواد الإعلام الجديد إلى ضرورة التأكد من مصدر المعلومة قبل القبول بأي طرح أو خبر، مهما كانت درجة الثقة في الجهة الناشرة، وإلا يستحسن إدراج ما نشره تحت بند "الاستنتاج والتحليل، وليس الخبر والمعلومة، حتى لا يسهموا في الترويج لإشاعات الآخرين وأفكارهم الخاطئة.
حرية تعبير ولكن
بدوره، بين مدير المكتب الإعلامي لوزارة الداخلية إياد البزم أن الإعلام الجديد أصبح مسيطراً بقوة على حياة المواطنين وخاصة فئة الشباب، موضحاً انه يُعد وسيلة إعلامية لها من الإيجابيات والسلبيات على صعيد أدائها مع مرور الزمن.
ونوه البزم في حديثه لـ"الرأي" إلى إن أدوات الإعلام الجديد أتاحت فرصة كبيرة للتعبير عن الرأي لدى الأفراد داخل المجتمعات، من خلال إمكانية طرح آرائهم تجاه القضايا المختلفة من خلالها، لكن هناك من روادها من استخدمها بشكل سلبي لعدم إدراكه قيمة ما يتلفظ به.
وقال: "رغم كل الإيجابيات التي وفرها الإعلام الجديد، إلا أنه أوجد بعض السلبيات التي جعلته يتخطى الدور الذي وُجد من أجله، وهو التواصل الاجتماعي بين الأفراد بكافة شرائحهم"، مبيناً الظروف السياسية التي يشهدها العالم طغت على ما يتم نشره في ذلك الإعلام.
وشدد على أن خطورة الأمر تكمن، حين يُستخدم الإعلام الجديد في التشهير بالشخصيات والهيئات وأعراض الناس دون الاعتماد على مصدر معين، مؤكداً أن وزارة الداخلية تسعى إلى توعية الشباب في تلك الخطورة وتعمل على تحسس النقاط التي قد تهدد المجتمع.
وأضاف "عقدنا العديد من اللقاءات مع الناشطين في الإعلام الجديد وفئة الشباب بهدف توعيتهم بالمخاطر التي قد تنجم عن الاستخدام الخاطئ، وفي نفس الوقت نؤكد على حرية التعبير عن الرأي مع عدم التدخل في آراء الأفراد أو مضايقتهم ما لم يجرحوا أحد أو يضروا بالمجتمع".
وأشار البزم إلى أن الإعلام الجديد من الممكن أن يُستخدم من قبل الاحتلال على صعيد قطاع غزة، كوسيلة لترويج الإشاعات والإيقاع في فخ العمالة من خلال أسماء وهمية ومحادثات هدافها خبيث، مبيناً أن متابعة وزارته لأدوات الإعلام الجديد يكون بشكل عام وليس لصفحات وأشخاص بعينهم.
وأكد أن أي أخبار مفبركة تصدر عن مؤسسات رسمية لها صفحات على الإعلام الجديد تتحمل مسئوليتها المؤسسة ذاتها في أطار القانون، الذي يحدد طبيعة عملها وتعاملها مع الأخبار والمصادر، داعياً كافة شرائح المجتمع لتحري الدقة قبل تداول أي خبر يُنشر على الإعلام الجديد.
توتر وبلبلة
من جهته، نوه الأخصائي التربوي في علم النفس رمزي السويركي إلى أن الإعلام الجديد أصبح من الوسائل التي يتم من خلالها نشر الشائعات والأخبار الكاذبة، التي بدورها تُسهم في تدمير الروح المعنوية للمواطنين وتثبط عزائمهم وتخلق حالة من التوتر و"البلبلة" في المجتمع.
وأوضح السويركي في حديثة لـ"الرأي" أن الإشاعة تعتبر إحدى أساليب الحرب النفسية التي تهدف إلى إضعاف المجتمعات من الداخل عبر بث الأخبار الكاذبة المنافية للواقع على الأرض، مبيناً أنها تكون في الغالب موجهة من قبل المُعارضة تجاه الحكومة أو عدو الجهة المستهدفة.
وأشار إلى أنه من شأن الإشاعات التي ينشر بعضها على مواقع الإعلام الجديد، أن تهدد الاستقرار الأمني داخل المجتمعات، الأمر الذي يجعل المواطن يعاني اضطرابات مختلفة بشكل دائم وخاصة إن كان يعيش أكثر من أزمة مثل مواطني قطاع غزة.
ولفت إلى أن مهمة محاربة الشائعات تقع على عاتق الحكومة من خلال الحملات المضادة لها، التي تعمل على كشف الحقيقة للمواطنين عبر الحقائق والبراهين التي تثبت زيف ما يُنشر من أخبار مفبركة حول قضايا مختلفة، لحماية الصف الداخلي من التفكك والضعف.
وقال: "يجب على الحكومات والدول أن تمتلك وسائل إعلام قوية من أجل صد الشائعات التي قد تزعزع المجتمع، كونها تُستخدم كوسيلة تسبق العدوان على الأرض"، مشيراً إلى أن قطاع غزة يُعد في دائرة الاستهداف عن طريق الشائعات كون أن هناك العديد من التحالفات التي تسعى لإخضاعه وانكساره.


