خان يونس-الرأي- فرج العقاد
على قارعة الطريق نصب المواطن محمد الحاطوم خيمته المتطايره ليلم بظلها زوجتيه وأطفاله الستة، أكبرهم في الأول الابتدائي وأصغرهم لم يمض من عمره سوى أشهر معدودات.
وبجوار منازل الأموات غرب المدينة حل القدر بأسرة أبو حاطوم ليحطم كل معاني الفرح، لتغدو السماء لحافهم والأرض فراشهم في مشهد تذرف لأجله الدموع.
حادث عمل
الشاب الثلاثيني كان يعمل منذ سنوات مضت ميكانيكي سيارات، إلا أنه ترك هذا العمل بعد تعرضه لحادث في إحدى ورشات الصيانة، ألزمه الفراش وجعله في وضع صحي لا يحسد عليه.
بعد هذا الحادث فقدت أسرة أبو حاطوم مصدر دخلها الوحيد، وباتت غير قادرة على دفع إيجارات السكن الذي تراكم عليهم ليصل إلى ثلاثة آلاف شيكل، ناهيك عن تكاليف علاج معيل الأسرة المصاب وديوانه التي تراكمت حتى وصلت لمبلغ 12ألف دولار.
ومع هذه الديون التي أثقلت كاهل الحاطوم ومطالبة أصحابها بسدادها، باتت الحياة صعبة على هذه العائلة التي تقطعت بها كافة السبل لتوفير مقومات الحياة الكريمة.
مجاورة الأموات
وأمام مطرقة صاحب الشقة وسندان ضغوطات الحياة المختلفة ومتطلباتها التي لا تحصى سلمت العائلة البيت لأصحابه وخرج الزوج بأطفاله الصغار ليجاور الأموات علهم يسمعون صرخته!.
وحمل الأب المتعب أثاثه القديم المهترئ، واتخذ من منطقة السوافي بخانيونس مسكناً له، فغرس أعمدة خيمته في التراب لتكون المسكن الجديد له ولعائلته، عله يقيه حرارة الشمس وتلملم شتات عائلته.
وداخل الخيمة تجمع الأطفال الصغار حول إناء، تتبادله أياديهم الصغار لتناول بعض ما حضرته الأم من طعام وعيونهم البريئة ترقب أباهم وهو يشكو الحال "للرأي" وقسوة الظروف التي تركته دون مأوى، ليعيش بين سكون الأموات بعيداً عن ضجيج الأحياء!.
محمد قدم من مدينة غزة إلى جارتها الجنوبية قبل خمس سنوات ليناسب أهلها، ودارت به عجلة الزمان، ولشدة الحاجة اضطر للعمل في الأنفاق الحدودية عتالاً رغم وضعه الصحي الذي لا يسمح بذلك.
يحرس أطفاله ليلاً
ولكن الظروف المضطربة التي تمر بها الحدود المصرية أرجعته للقعود ليس للفراش هذه المرة، بل حارساً يسهر على صغاره خوفاً من عقرب سام أو نباح كلب يقض مضاجعهم اللا إنسانية. ويقول رب الأسرة والأسى يرسم خارطة وجهه الشاحب "تركت البيت الذي أسكنه قبل أسبوع لعدم قدرتي على دفع إيجاره، وجئت إلى هنا لعلي أجد من يغيث أطفالي الصغار.
ويضيف في اليوم التالي جاءني موظف البلدية وأنذرني بعدم قانونية إنشاء الخيمة إلى جانب الطريق، مطالباً إياه بضرورة نقلها أو سيتم إزالتها باعتبارها تعديا على الحق العام.
واهتدى أبو حاطوم إلى نقل خيمته التي لا تصلح لتعيش بها البهائم من مكانها بعيداً عدة أمتار عن الطريق وسط إحباط وشعور يراوده بالذهاب بأسرته وأطفاله إلى عالم مجهول.
لا حياة.. فالخيمة التي تبطش بها الرياح من كل الجوانب تفتقد إلى كل مقومات الحياة البسيطة، فلا دورة للمياه، ولا مصدراً للشرب، حيث يتم نقل الماء "بالجالونات" قاطعين مسافات طويلة لإيصالها للبيت الجديد.!
وتأمل العائلة التي اتخذت من قبور الأموات جوارا لها أن تجد لمأساتها صدى وآذان صاغية لدى الحكومة الفلسطينية وأصحاب القلوب الرحيمة، بتوفير قطعة أرض لبناء بيت متواضع يسترها أو مسكن يؤويهم من برودة الشتاء الذي سيحل عليهم ضيفا قاسياً إن لم يجدوا حلا عاجلا.
أما رئيس بلدية خانيونس يحيى الأسطل كان رده على معناة المواطن أبو حاطوم، أن "السكن بجانب الطريق مخالفة للحق العام وأمر غير قانوني، وبما أنه قام برفع الخيمة بعيداً عن الطريق العام ونصبها في مكان أخر في أرض حكومية أصبح الموضوع يتعلق بسلطة الأراضي".
ودعاه لمطالبة سلطة الأراضي بمنحة قطعة أرض للبناء عليها لأن ذلك ليس من اختصاص البلدية.

