- الأونروا تنفي علاقة جهات خارجية بالتقليصات
- خريشة: "الوكالة" أداة لمخطط دولي يستهدف تصفية القضية
غزة-الرأي-محمد السنوار:
منّذ مطلع انتفاضة الأقصى كان اللاجئ الفلسطيني يتلقى شهرياً مساعدة غذائية مباشرة من وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "الأونروا"، إلا أن هذا الأمر أخذ يختلف بعد ذلك شيئا فشيئا، وتحديداً بعد عام 2007، عندما أبقت الوكالة على مساعداتها تلك فقط لمن تسميهم بالحالات الاجتماعية الحرجة.
وحرمت "الأونروا" في مقابل ذلك قطاعاً واسعاً من اللاجئين من تلك الخدمات التي شكلت فرجاً لمستلزمات حياتهم الأساسية؛ متذرعة بنقص الميزانيات وتحسن الأوضاع لدي "المغلوبين"!
وأخذ الأمر بالتدحرج؛ إلى أن تفجرت الأزمة مؤخراً عندما رغبت الوكالة في تقليص الخدمات المقدمة عن طريق برنامج الطوارئ، الذي بدأ العمل به مع انطلاقة انتفاضة الأقصى، حيث رأت الوكالة أن الحصة التموينية التي تقدمها للاجئين في المخيمات أربع مرات في السنة لن تستمر بذات الكم، كما لن تشمل ذات النوعية من المستحقين لتلك المساعدات.
وفي الوقت الذي كان يحصل فيه كل ثلاثة أشخاص على حصة واحدة، قلّصت الوكالة الكمية إلى حصة واحدة لكل ستة أفراد، وقلّصت عدد مرات التوزيع إلى اثنتين كل عام بدلاً من أربع، مع خفض لمعايير الاستحقاق لتصل نسبة المستحقين كما يرى المراقبون إلى 30% من المستحقين خلال الأعوام السابقة، مخضعةً الطلبات المتعلقة في برنامج تشغيل الطوارئ لمعايير خاصة من قبل القائمين على وكالة الغوث، حيث تشمل الأقلية من بين المستحقين.
هذا الإجراء الذي يمسّ قطاع واسع من اللاجئين فجّر الأزمة، ودفع القائمين على أمور اللاجئين فيها إلى فتح ملفات أخرى شملها التقليص عبر السنوات السابقة كالتعليم والصحة، ولا سيما أن ذلك يأتي في الوقت الذي يعاني فيه اللاجئون في المخيمات من تدنٍّ كبير في مستوى المعيشة وازدياد مطّرد في الفقر وارتفاع غير مسبوق في نسبة البطالة.
هذه التطورات غير المسبوقة حملتها "وكالة الرأي" إلى عدنان أبو حسنة الناطق باسم وكالة غوث وتشغيل اللاجئين "الأونروا"، الذي نفى نفياً قاطعاً وجود سياسة متعمدة للانتقاص من حقوق اللاجئين ومستحقاتهم.
وأشار أبو حسنة إلى ازدياد عدد المستفيدين من خدمات وكالة الغوث، مستدركاً قوله "إنه لم يسجل تاريخ الوكالة منذ تأسيسها عام 1950 وحتى الآن نسبة مستفيدين أكبر من الوقت الحالي"، حسب قوله.
وتابع: "لا يوجد تقليصات في خدمات الوكالة"، مؤكداً أن المسألة لا تعدو إعادة توزيع للأولويات في ظل محدودية ميزانية وكالة الغوث، واتساع قاعدة الفقر لدى اللاجئين.
وبيّن أبو حسنة أن نسبة المستفيدين من خدماتهم وصل الى أكثر من 8030 مستفيد؛ بالإضافة إلى الخدمات الأخرى التي تقدمها الوكالة للاجئين الفلسطينيين كالتعليم والصحة والمشاريع البنائية.
وأقرّ أبو حسنة بوجود تقليصات قامت بها وكالة الغوث مؤخراً، حيث طالت هذه التقليصات أكثر من 9500 أسرة، فيما أضافت الوكالة 5400 أسرة إلى قائمة المساعدات.
من جهته، حمّل رئيس اللجنة الشعبية للاجئين في أحد المخيمات الفلسطينية حسن جبريل، السياسة الداخلية لوكالة الغوث أزمة ومشكلة التقليصات الأخيرة بحق الفقراء والمعوزين من اللاجئين.
وأوضح جبريل أن عمليات التقليصات الأخيرة التي قامت بها الوكالة أسفرت عن شطب 9500 حالة فقيرة.
فقراء تقطعت بهم السبل
أما المعوزين من الفقراء الذين طالتهم يد التقليصات فقد زاد تذمرهم، "ولكن غلبت عليهم اليد العليا" كما يقول المسن أبو أحمد أصرف.
ويتابع وخارطة الفقر مرسومة على وجهه "إن إيقاف وكالة الغوث لخدماتها التي كانت تقدمها له ولأسرته المكونة من ثلاثة عشر فرداً قطع أوصاله؛ فهو الآن بلا معيل".
وأشار الى أن سياسة وكالة الغوث تغيرت بشكل كبير في الأعوام القليلة الماضية، عاداً ما تقوم به وكالة الغوث حصاراً بأسلوب جديد.
أما أم أحمد المدهون فعدّت السياسة التي اتبعتها الوكالة مؤخراً بالأمر غير الأخلاقي بالمطلق كما تقول، لأنها لا ترعو عن زج اللاجئين في مشاكلها الداخلية.
وبيّنت أن الوكالة في السنوات الأخيرة "انتهجت أمور كثيرة بحجة تحسن وضعنا والله يعلم بالحال"، مناشدة أصحاب القرار أن يقوموا بواجبهم المنوط بهم.
عجز الميزانية
وبالعودة لأبو حسنة، نفى أن يكون للجهات الخارجية أي علاقة في هذه التقليصات، مشيراً الى أن هناك عجز كبير ونقص في الميزانية التشغيلية التي تتلقاها الأونروا.
وحسب أبو حسنة فإن العائلات المستفيدة من المساعدات زادت والمساعدات التي تقدمها الوكالة للاجئين أيضاً زادت، لكن عدد اللاجئين دون خط الفقر زاد هو أيضاً، وبالتالي فالميزانيات لم تعد تفي بحاجة القطاعات العريضة المتزايدة والمتسعة يوماً بعد آخر.
ففي بداية الانتفاضة كانت الوكالة تشمل خدماتها 40% من اللاجئين، بينما في الأعوام الأخيرة تقدم خدماتها لأكثر من 70% من هؤلاء اللاجئين.
ومن هنا لم تعد الوكالة قادرة على تقديم خدماتها لقطاع واسع من اللاجئين على النحو الذي كان معهوداً، حتى أن هذا التبرير لم يكن كافياً في نظر رئيس اللجنة الشعبية للاجئين حسن جبريل، فشرائح الفقر في المخيمات في زيادة مطّردة وليس بالعكس، والشريحة الوسطى في غالبيتهم يتقاضون أجوراً لا ترقى لإخراجهم من دائرة الفقر التي يرزح فيها غالبية أهالي المخيمات من وجهة نظر "جبريل".
وهذا ما أكده المواطن سعيد صافي، حيث أنه يعمل في إحدى القطاعات الحكومية ولكن راتبه المتدني لا يفي بمطالب واحتياجات عائلته الممتدة.
فصافي يعيل تسعة من الأبناء وراتبه لا يتعدى الـ 1000 شيكل كما يقول، وبسبب ذلك تفاقم الوضع عليه وازدادت الديون المتفاقمة فوق رأسه.
هذه الأوضاع المتفاقمة، والإصرار الذي تبديه إدارة وكالة الغوث، وعدم استعداداها للتعاطي الإيجابي مع مطالب اللاجئين العادلة، دفع حسب جبريل إلى اعتبار هذه السياسة مقصودة، وتهدف إلى الإجهاز التدريجي على خدمات وكالة الغوث تمهيداً لتصفية قضية اللاجئين.
فيما رأى الناطق باسم الوكالة، أن ذلك غير صحيح بتاتاً، وأن المسألة لا تعدو الناحية المادية والميزانيات والقدرة على تغطية النفقات، نازعاً عنها أي بعد سياسي، منوها إلى أن قطاعات الصحة والتعليم لن تتأثر من التقليصات على الإطلاق ولكن الذي سيتأثر هو برنامج الطوارئ بسبب عجز التموين في قطاع غزة والذي يتعلق بحياة المواطنين الملحة مثل التشغيل المؤقت والخدمات التموينية.
وأشار إلى وجود تعاون تقني بين الوكالة والحكومة الفلسطينية وليس تعاون سياسي، وهذا ما أكده رئيس اللجنة الشعبية للاجئين حيث أنهم يتابعون العديد من الملفات بشكل مباشر مع الجهات المعنية في وكالة الغوث.
أكثر المتضررين!
وعلى الجانب الآخر من التقليصات يقف الإشكال التعليمي وفقاً لجدليات اللجان الشعبية وكثير من المراقبين، تمثل ذلك بعدم توظيف معلمين على وظيفة ثابتة منذ أعوام واستبدال ذلك بوظيفة غير ثابتة، ما يؤثر سلباً على المسيرة التعليمية ويفاقم من أزمة الطلبة في المدارس.
إلى جانب كل ما ذكر تشكو اللجان الناشطة أيضاً من اعتماد الوكالة نظام عدم التفريغ، أي إلغاء التفريغ الخاص بالمعلمين المشرفين على كل من المختبر والحاسوب والمكتبة الذي يوفر على الوكالة وظائف كثيرة، ويؤثر على عطاء المعلم والتحصيل العلمي للطالب.
توسيع وتوظيف
بعد تقصينا للحقيقة بين هذه الأقوال وتلك، وجدنا أن حجم التوظيفات السنوية سواء في التعليم أو غيره تتم بأعداد محدودة للغاية، ولا تتناسب والزيادة السكانية أو حتى الحاجة داخل مؤسسات الوكالة ذاتها، ما أسهم في تفاقم مشكلة الاكتظاظ داخل الصفوف وضيق المساحة المتاحة للطالب الواحد.
وقد عبّر ولي أمر أحد الطلاب في شكواه أمامنا عن أن ابنه في مدرسة مخيم خان يونس للاجئين الفلسطينيين يعاني كباقي الطلاب من تزاحم الطلاب في الصف الواحد حيث تحتوي كل منها على حوالي خمسين طالباً.
ويتساءل ولي الأمر عمّا إذا كان خمسون طالباً في الصف الواحد قادرين على تلقي التعليم المناسب، وما إذا كان المعلم قادراً على أداء دوره كما يجب، مؤكداً من جانبه أن ما يحصل هو تجهيل للطلبة أكثر من كونه تعليماً.
الطفل سليم البنا (13 عامًا) يجل في الفصل وسط اكتظاظ الطلاب به، ويقول إن الفصل غير صحي بسبب يزاحم الطلاب به، مطالباً بإيجاد وضع أفضل من ذلك "لأن ذلك يؤثر على تحصيلنا الدراسي".
ويرى العديد من المهتمين أن علاج قضية المدارس تكمن في توسيع المدارس كماً ونوعاً وتوظيف مزيد من الكفاءات بأعباء تعليمية معقولة.
وفي معرض تعقيبه على ما سبق، أكد النائب الأول لرئيس المجلس التشريعي الفلسطيني حسن خريشة أن المسألة أكبر من هذه التفاصيل، وأن هناك مخططاً دولياً يستهدف تصفية قضية اللاجئين الفلسطينيين والوكالة أداة من أدواته.
فعدم دفع أمريكا وبعض الدول التي تدور في فلكها مخصصات "الأونروا" وبالتالي المعاناة جراء النقص في الميزانيات، يؤكد دور المال السياسي الذي تستخدمه أمريكا وبعض الدول الأخرى في المنطقة والعالم لإنهاء مهام هذه الوكالة وخدماتها كشاهد على بقاء قضية اللاجئين.
والمطلوب، حسب خريشة، التمسك بقضية اللاجئين والقرار 194 باعتبار ذلك هو القضية بعينها وما يتبع ذلك هو الهامش.
كما ينبغي تركيز الضغوط على حكومات الدول المستضيفة للاجئين الفلسطينيين للضغط على وكالة الغوث كي تقوم بواجباتها باعتبار أن قضيتهم لا تزال قائمة، وألا تتساوق مع مشاريع التصفية الأمريكية الصهيونية.
ما المطلوب؟
يتفق خريشة وجبريل وغيرهما في النظر إلى هذه الإشكالات التي عمت كل القطاعات على اعتبار أنها إشكاليات سياسية وليست مادية، وإن كان ظاهرها الميزانيات كما تقول إدارة "الأونروا".
فالقضية الفلسطينية على مفترق خطير، ومن غير المستبعد أن تكون قضية اللاجئين إحدى ضحايا المرحلة السيئة التي نعيش.
وحتى لو افترضنا جدلاً أن المشكلة مشكلة ميزانيات فلماذا يتحمل اللاجئ وأبناؤه والعاملون في إطار الوكالة جريرة التقصير في حشد الميزانيات اللازمة؟ أليست قضية اللاجئين من مسؤولياتها، وبالتالي من واجبها البحث عن الحلول بعيداً عن اللاجئ وقوته؟

