غزة – الرأي - محمد السنوار
يقف الأسير القسامي المحرر رجائي الكركي على شاطئ بحر غزة متنسماً عبير الحرية بعد عامين على معانقة جبينه ثرى الوطن.
يقول الكركي المبعد إلى قطاع غزة متذكراً لحظات السجون الأخيرة "كانت السكينة تسيطر على المكان في غرفة الاعتقال؛ لتقطع تلك السكينة بصوت قعقعة الحديد، ويظهر وجهة سجان لعين آخذاً بناصيتي إلى ساحة السجن".
ويتابع "بعد أسئلتنا المتكررة أخبرنا أحد الضباط بأن أسمائنا أدرجت ضمن القائمة التي ستخرج مقابل شاليط بعد أيام قلائل، فخر جميع من في الساحة ساجداً".
ويطير الأسير المحرر بروحه إلى السجن، ليصف اللحظة الأخيرة التي جمعته بإخوانه قبل إطلاق سراحه قائلاً: المشهد كان قاسياً ومؤلماً لنا جميعاً، حيث تركنا أفئدتنا في السجون، وفارقنا أحبة وأبطالاً.
حلم العودة
وبرغم شهوره القليلة التي أمضاها الكركي في قطاع غزة إلا أنه ما زال يعيش حلماً يتمنى ألا يستيقظ منه، لأنه يتذوق فيه طعم حرية يعجز عن وصفها الأدباء والكتاب، على حد وصفة.
ويقطن الأسير المحرر صاحب اللحية الخفيفة والشعر الغزير في محافظة خان يونس جنوب قطاع غزة، برفقة زوجه تسنيم تيسير النجار "الغزية" التي تحمل في أحشائها مولود الكركي الأول.
ويقارن المحرر الكركي الذي يعود أصله لمدينة الخليل وهو يتأمل مشهد أمواج البحر المتلاطمة، قائلاً: أعيش الآن في رفاهية تامة، الطلبات من حولي كلها مجابة، أما في السجن فقد عشت الأمرّين.
ويحلم الكركي باليوم الذي يعود فيه لبيته في الضفة المحتلة، ويحن لأيام الصبا التي عاشها برفقة إخوانه وأقرانه، ويتمنى أن يزور قبر والديه اللذين حرمه الاحتلال رؤيتهما في آخر لحظات حياتهما.
وقضى الكركي في السجون 11 سنة فيما حكم 99 عاماً بعد توجيه تهمة له ولاثنين من زملائه بالقيام بأول عملية فدائية في انتفاضة الأقصى وإطلاق النار على مستوطنين وقتل اثنين منهم وإصابة آخرين.
صفحات مشرقة
بدأت مسيرة الاعتقال الأولى للكركي البالغ من العمر "35 عاماً" في السادسة عشرة من عمره، بعد أن وجهت له تهمة الانتماء لجماعة الإخوان المسلمين وتأسيس أول خلية لكتائب القسام في الضفة المحتلة.
ولم ينته مشوار العذاب بعد، ففي شهر يناير عام 1994م كان الكركي على موعد مع رحلة جديدة من المعاناة، بعدما اقتحمت قوات الاحتلال منزله واقتادوه إلى زنازين الاحتلال بدون تهمة.
وأثناء اعتقاله الأول الذي دام 26 شهراً توفيت والدته، وعلم بالخبر بعد اثني عشر يوماً عن طريق الصحف، وأثناء الاعتقال الثاني توفي أبوه الأمر الذي أصابه بصدمة نفسية كبيرة، فقد أكد أنه كان يتمنى وقتها أن يدفن والديه بيده لكن الأقدار جاءت غير ذلك".
وعن إنجازاته داخل السجن، قال الكركي: "أتقنت مهنة الحلاقة وبرعت في إعداد الطعام للأسرى وكنت أشتهي أكل "الزهرة"، مبينًا أن إدارة مصلحة السجون تعمدت عدم إحضارها له إلا مرة كل سبعة شهور.
وبعد ثمانية شهور من الأسر تعرض لحادثة أفقدته الوعي لمدة 38 ساعة متواصلة، حيث كان يعاني من نزيف داخلي في المخ واحتاج لعملية جراحية استغرقت 10ساعات، وبقي بعدها فاقداً للوعي مدة يوم ونصف، وأعلن الأطباء أنه دخل حالة الموت السريري، ثم كانت المفاجأة باسترجاعه الوعي فوقف الأطباء متعجبين وأخبروه بأنه إن عاش سيعيش فترة قصيرة ومشلولا لصعوبة حالته، لكن فضل الله ومنته عليه كانت أكبر وعادت له الحياة من جديد وكأن شيئاً لم يكن.

