غزة- الرأي- محمد السنوار
تتجدد معاناة الغزيين وتختلف أشكال التضييق عليهم، فيدخلون في دركات حصار ودمار لا تنتهي فصوله؛ وفي كل مرة تختلف الجهات الضاغطة عليه والمتربصة به.
رفح أو "قلعة الجنوب" كما يحب البعض أن يطلق عليها هي محور الاستهداف اليوم؛ فهي بين فكي كماشة، فما إن تتنفس الصعداء حتى يباغتها اعتداء آخر.
إن الغزيين الذين يعيشون بالقرب من الحدود المصرية، يعانون الأمرين بسبب إطلاق النار المستمر والانفجارات التي تحدث في الأنفاق ومحيطها.
وتؤثر تلك الأصوات والانفجارات على سكان المدينة، وفي كثير من الأيام تصاب المناطق الجنوبية لرفح بحالة من الشلل الكامل وحظر التجوال.
تضييق عربي
وخلال تجول مراسل "الرأي" في منطقة "بلوك O" القريبة من بوابة صلاح الدين الحدودية مع الجانب المصري، قابل العشريني أحمد العرقان أحد سكان المنطقة.
يقول الشاب العرقان: "المعاناة التي تعصف بنا جراء آلة الدمار التي تطحن الأرض والإنسان جنوب رفح لم تتوقف منذ عقود".
إن سكان هذه المناطق تعودوا على أصوات إطلاق النار والانفجارات، كما يفصح العرقان، ويوضح أن هذه الانفجارات أصبحت جزءاً من حياتهم اليومية، مبيناً أنهم كانوا يعايشون تلك الأجواء قبل الانسحاب الصهيوني من القطاع عام 2005.
العرقان، وهو أب لطفلين، يبين أنه وزوجه يواجهان مشاكل جمّة مع طفليهما،خصوصاً عندما تعلو أصوات الانفجارات في الليل، مشيراً إلى أن طفليه لا يستطيعان النوم من شدة الخوف بسبب الانفجارات.
ويلجأ العرقان بصحبة طفليه لغرف المنزل الداخلية، خوفاً من أن تصيبهما شظايا الانفجارات المجاورة لبيته، كما يقول.
وقبل أحداث 30 يوليو والانقلاب العسكري بمصر، كانت منطقة "بلوك O" تعدّ من المناطق الحيوية والآمنة، حيث كانت ممراً تجارياً معتمداً في المنطقة الجنوبية بسبب الأنفاق الأرضية التجارية التي كانت تستخدم في تهريب المواد الأساسية لسكان غزة.
ويلات متعاقبة
وخلال التجول في تلك المنطقة، التي امتازت بسرعتها خوفاً من شظايا الانفجارات القريبة من المخيم، دخل مراسل "الرأي" بيت الحاجة أم أحمد ديب التي يقترب منزلها من الحدود الفلسطينية المصرية الصهيونية.
وتقول الحاجة ديب: "عشنا ويلات كثيرة وتغير المعتدون علينا فمن احتلال الى احتلال؛ ولكن اعتداء الجيش المصري أشد ألماً لأنهم ببساطة إخوة الدم".
وتؤدي أصوات الانفجارات الكثيفة والقوية إلى تصدّع المنازل الحدودية القريبة نظراً لقدم إنشائها وبنائها، عوضاً عن الضرر النفسي الكبير الذي يصيب الأطفال والأهالي بتلك المنطقة.
وعدّت الحاجة ديب أن الوضع الاقتصادي في منطقتها يشهد حالياً نكوصاً حاداً وخطيراً، ومن أبرز ملامحه ارتفاع الأسعار، ناهيك عن اختفاء الكثير من السلع من السوق، كما تقول.
آثار سلبية
من جهته، يقول الطبيب النفسي د. يوسف عوض الله إن الآثار النفسية الناجمة عن الانفجارات المتكررة من قِبل الجانب المصري تزرع كامل الآثار السلبية في نفوس الأطفال.
وأوضح عوض الله الذي يسكن بمخيم "يبنا" المتاخم للحدود الفلسطينية المصرية، أن أصوات الانفجارات تترك أثراً نفسياً بالغاً عند الأطفال، خاصةً حينما تهز منازلهم فتراودهم كوابيس وأحلام مزعجة أثناء النوم.
وأشار إلى أن هذه الأعراض يزيد أثرها عند الأطفال فتلتصق صور الفزع والخوف والترقب في أدمغتهم، مبيناً أن هؤلاء الأطفال لم يعودوا ينامون بشكل جيد أثناء الليل ويشعرون بالخوف والهلوسة والإنهاك.
وأثناء جولتنا بصحبة د. عوض الله في أحد مراكز الدعم النفسي في محافظة رفح، أكد أن الأرق والعنف والاكتئاب حالات تصيب الأطفال في حياتهم اليومية نتيجة ما يعانونه في حياتهم، مشيراً الى أن حالة من الرعشة تصيبهم، فضلا عن تكرار التبول اللاإرادي.
رعب وخوف وعلاج
وأثناء حديث عوض الله، تعالت أصوات بعض الفتية بالبكاء فتوجهنا مسرعين نحوهم لتهدئتهم، فإذا بالطفل أحمد حمد "10 أعوام" يقول بصوت مرتعش "عدو صار انفجار".
وبعد محاولات متكررة استطاع الطبيب النفسي التهدئة من روع الطفل أحمد وهو يقول _ أي د. يوسف_ إنه يلزم العمل على خفض حدة إفراط التأثر والهلع، والتخفيف من أثر الانفجارات المتكررة من قِبل الجانب المصري مثل العلاج باللعب والتفريغ النفسي الانفعالي والعلاج بالرسم والسيكودراما، والرحلات الترفيهية.
ويضيف: "يجب العمل على وضع الأسس للإحساس بالأمن في العلاقة العلاجية لدى الأطفال، وهذا شرط أساسي للعمل مع الأطفال المصدومين، وكذلك علاج الاضطرابات السلوكية مثل التبول الليلي اللاإرادي والعنف".
وطالب بالعمل على استرجاع قدرات الأطفال الحياتية، والمهنية الماضية والحاضرة، والعلاج والإرشاد الأسري الذي يهدف إلى تعليم الآباء كيفية التعامل مع أبنائهم في هذه الظروف الصعبة وتجنب نوبات الهلع.

