غزة- الرأي- عبد الله كرسوع
واحدٌ وعشرون عاماً مضت والذاكرة لازلت حية متيقظة، تستعيد وقع أقدام الجنود الصهاينة الذين قدموا لاعتقال أكثر من 415 ناشطاً من حركتي "حماس" و"الجهاد الإسلامي" لإبعادهم إلى قرية "مرج الزهور" في جنوب لبنان.
وتصادف اليوم الذكرى لـ21 لإبعاد قوات الاحتلال الصهيوني للقادة العظام، حيث لا يزال العالم يذكر صورهم وكلماتهم التي نقشوها على الثلج الأبيض "سنعود.. حتما سنعود..".
مرج الزهور هو بالأساس معسكر سابق لقوات الاحتلال الصهيوني ومزود بطرق وشوارع مزفتة، وبالقرب منه عين ماء، وسميّ باسم أقرب القرى إليه وهي قرية "مرج الزهور" وهي قرية صغيرة قريبة من معبر "زمريا" الحدودي، وأهلها من كبار السن.
بداية الاعتقال والإبـعاد
أصغر المبعدين إلى مرج الزهور عماد الحديدى روى في حوار خاص لـ"وكالة الرأي" تفاصيل الاعتقال والإبعاد قائلا:" جاء الاعتقال والإبعاد بعد أن قامت كتائب الشهيد عز الدين القسام الجناح العسكري لحركة المقاومة الإسلامية حماس، بعملية أسر جندي صهيوني، و طالبت حكومة الاحتلال بإطلاق سراح معتقلين من حركة حماس وعلى رأسهم مؤسس الحركة الشيخ أحمد ياسين قبل الساعة التاسعة من اليوم التالي وإلا فإن كتائب القسام ستقوم بقتل الجندي الصهيوني".
وتابع:" فعلاً في مساء اليوم التالي أعلنت كتائب الشهيد عز الدين القسام عن قتل الجندي الصهيوني لعدم انصياع حكومة الاحتلال لمطالب الجهاز العسكري، ثم اجتمع المجلس الوزاري الصهيوني بتاريخ 17-12-1992 واتخذ قراراً بإبعاد كافة قادة حركة حماس وعدد من قادة الجهاد الإسلامي".
وروى الحديدي:" أُعتقل الدعاة والمجاهدين من حركة حماس والجهاد ، وانتظر المعتقلون ثلاثة أيام وهم لا يعرفون شيئا في مصيرهم، سوى أن هناك عدد من الاعتقالات طالت عناصر وقيادات حركتهم تتم منذ ثلاثة أيام ، قارب عدد من اعتقل فيها الألف شخص".
إعداد قائمة للمعتقلين
خلال هذه الأيام كانت المخابرات الصهيونية تعمل على قدم وساق من أجل إعداد قائمة كاملة للمعتقلين الذين سيتم إبعادهم، وكانت تحركات وتنقلات المعتقلين التابعين لحركة حماس في السجون الصهيونية غاية في الغرابة والتعقيد يحث لم تكن الأمور اعتيادية بل كانت على دفعات، ولم يكن يعلم الذين يتم أخذهم بأنهم سينقلون عبر الطائرات (الهيلوكبتر) أو الحافلات إلى منطقة واقعة على الحدود الفلسطينية المحتلة واللبنانية .
وقال الحديدي :"جُمع كافة الأشخاص الذين إتخذ الاحتلال بحقهم قرار الإبعاد وهم أربعمائة وخمسة عشر (415) شخصاً كان معظمهم من حركة حماس وقلة هم الذين يتبعون لحركة الجهاد الإسلامي وهم قرابة 40 شخصاً، ورغم كل هذا فلم يصدق المعتقلون الـ 415 بأن الاحتلال الصهيوني سوف يقوم بإبعادهم حتى هذه اللحظة إلى خارج الأراضي الفلسطينية المحتلة ".
وأوضح أن مقتل الجندي كان السبب الظاهر للإبعاد، ولكن أفصح "للرأي" أن السبب الحقيقي وراء الإبعاد وهو قياس نبض المفاوض الفلسطيني من خلال الإبعاد ومدى قدرته على الاستمرار في التفاوض من خلال اتفاق أوسلو، مشيراً إلى أن المفاوض لم يكترث للإبعاد وواصل طريقه في التفاوض.
المحنة والمنحة
ويروى الحديدي العائد من مرج الزهور:"إن رحلة الإبعاد عادت عليهم بالخير الكبير على عكس ما أراد الاحتلال، قائلاً: "أرادت الحكومة الصهيونية من عملية الإبعاد إيقاف المقاومة وأضعاف الحركة الإسلامية بإبعاد رجالاتها، إلا أن إرادة الله فوق كل اعتبار فحولنا المنحة إلى محنة زادت من رصيد الحركة الإسلامية ليست الفلسطينية فحسب بل العالمية".
مضيفاً:" دخل بعض زوار المخيم من الصحفيين في الإسلام من خلال حسن تعاملنا، ومن خلال عملية الإبعاد وصل صوت الحركة الإسلامية إلى أكثر من 100 دولة من خلال جيش الصحفيين والتي كانت الوفود منهم يومية، فعرضنا وجهة نظرنا وأسمعنا العالم صوتنا، وعرف العالم حقيقة الحكومة الصهيونية التي تدعي حماية حقوق الإنسان".
وأشار إلى أن قادة المبعدين نجحوا من خلال منبرهم الإعلامي السياسي من قيادة الشعب الفلسطيني والذي كان من أبرزهم رئيس الوزراء الفلسطيني إسماعيل هنية الذي خط بقلمه كلمات تواصل بها مع زعماء العرب.
"المطلة"
أبو الأمين" الحديدي" وصف رحلة الإبعاد في الباصات قائلاً :"نقلنا إلى مرج الزهور في باصات لنقل الدواب ومنع الجميع من الكلام حتى الجنود مع بعضهم البعض حتى لا نعرف أين نذهب بالإضافة إلى الضرب المتواصل بالأسلحة على رؤوسنا".
وتابع: "كل التوقعات كانت تشير إلى أنهم يتجهون بنا نحو سجن النقب، ولكن بعد أن تجاوزت مدة السير أكثر من 60 ساعة حرمنا خلالها من الأكل أو الشرب أو قضاء الحاجة أو السؤال عن الجهة التي نتجه إليها، عندها أيقنا أن الأمر أكبر من الأبعاد، وبعد توقف الباصات نظر أحد الإخوة من أسفل عصبة عينه ليقرأ لافتة مكتوب عليها "المطلة" فصاح أحد الإخوة إننا على الحدود اللبنانية".
ويسرد "بعدها وقف الشيخ حامد البيتاوي، وسأل أحد الضباط إلى أين تذهبون بنا؟ فأجاب الضابط أنتم مبعدون إلى لبنان بقرار من رئيس الوزراء الصهيوني إسحاق رابين، فرد عليه الشيخ حامد قائلاً:" بلغ رابين أننا لسنا مقطوعين من شجرة وسنعود بإذن الله، وأنكم بهذه الخطوة تجرون المنطقة إلى مزيد من التصعيد وعدم الاستقرار".
الأعياد
وحول كيفية قضاء العيد أوضح الحديدي أن المبعدين كانوا يسعون جاهدين بكل الطرق والوسائل في رسم الابتسامة على وجوه بعضه البعض فكانوا يعقدون ألعاب لكرة القدم بالإضافة إلى حلقة مصارعة والتي كانت بين المبعد يوسف السركجي الذي كان طويل القامة وحسن يوسف الذي تميز بقصر القامة ولكنه تغلب على السركجي ليرسم الابتسامة على وجوه إخوانه.
قادة عظام رحلوا
ويتذكر الحديدي عدداً كبيراً من رفاق رحلة الإبعاد الذين هم الآن إما شهداء مثل الشيخين جمال سليم وجمال منصور وصلاح دروزة والدكتور عبد العزيز الرنتيسي والعشرات غيرهم، وإما أسرى في سجون الاحتلال مثل الشيخ أحمد الحاج علي، وجمال أبو الهيجاء وحسن يوسف، والدكتور عبد العزيز الرنتيسي الذي كان يستقبل الوفود الأجنبية والعربية، وكان ذو روح مرحة، يوصل الليل بالنهار لخدمة إخوانه.

