غزة - الرأي - هدى أبو قينص :
من أول وهلة يحسبها الناظر سجنا ومقابض حديدية محكمة الإغلاق، تنتزع الحياة بلا رحمة، إلا أنك بعد الولوج في تفاصيلها وأزقتها، تجدها مؤشراً كبيراً لإصلاح أخطاء تطرأ على حياة أشخاص ما فتودي بهم هذا المكان.
في لحظة ما غابت عقولهم وحادت عن الصواب، ليحتويهم ويحتضنهم مركز التأهيل والإصلاح فيعيد إليهم الحياة من جديد بإعادة تأهيلهم ودمجهم بالمجتمع بعد الأخطاء التي ارتكبوها على مدار سنين حياتهم.
يُشار إلى أن مساحة مركز التأهيل والإصلاح الواقع في مدينة غزة بمنطقة أنصار الحكومية يبلغ حوالي 4536 مترا مربعا ويضم 370نزيلا و30نزيلة، يوجد به مركز تأهيل للنساء وغرف لإيواء النزلاء بالإضافة إلى عيادة طبية ومسجد وحديقة معشبة بالأشجار يتوسطها بركة للأسماك، عدا عن ملعب لكرة الطائرة من أجل الترفيه عن النفس، " الرأي " تجولت في ثنايا المكان لتتعرف أكثر عن تفاصيله في سياق التقرير التالي:
النزيلة "أ- د" البالغة "25 عام" تحدثت بكل جرأة وهي مرتدية ملابس الصلاة: "تركتني أمي وعمري لم يتجاوز الثلاث سنوات، لم أعرف ملامحها حتى الآن، ووالدي تزوج بـأربعة من النساء عشت معهم ظروفاً قاسية ومأساة حقيقة، تذوقت فيها ألواناً من العذاب حتى وصل بهم الأمر إلى حرق يدي وقدمي بالنار، عدا عن تعليمي لمهنة التسول في الشوارع عدة سنوات والتي على أثرها تم سجني عدة مرات".
مأساة من نوع آخر
"أجبرتني زوجة أبى على فعل ما سبق، لإحضار المال إليها بأي وسيلة كانت، مما دعاني لفعل أعمال غير عقلانية، لم يرحمني كل ذلك فقد تم إجباري على الزواج من ابن عمي دون موافقتي وسط صمت من والدي، فهربت ثاني يوم من زواجي" على حد قول النزيلة.
خفت صوتها بكل حزن ومأساة ، مضيفة: "علموني الإجرام، فهربت من المنزل عدة مرات حتى لجأت إلى المقبرة لعدة شهور، كي أحتمي بالأموات من ظلم البشر إلى أن ساءت حالتي النفسية وأصبحت أعاني من الهستيريا، فكسرت الزجاج وقطعت شرايين يدي ومن ثم أكلت الزجاج دون أن أشعر بنفسي محاولة الانتحار لأكثر من مرة".
لم تعلم بعدها أين تذهب، فعاودت سرقة مسدس من أحد البيوت ليتم القبض عليها ومحاكمتها 3 سنوات، لتجد نفسها في مركز التأهيل والإصلاح الذي شعرت فيه بارتياح كبير بعد تذوقها لمرارة العيش بالإضافة إلى تقويم سلوكها وتعريفها تعاليم الدين الإسلامي، معبرة عن سعادتها بمعرفتها الحقوق والواجبات المفروضة عليها والتي كانت تفتقدها منذ زمن طويل.
تغيير إيجابي
وعلى صعيد آخر ، في قسم الأخوة لمركز أنصار ، النزيل "أ-ع" البالغ من العمر "31 عاماً" يعمل موظفا في السلطة القديمة وسائقاً على سيارته الخاصة ، قال بصوته الخافت وطأطأة رأسه للأسفل: "عملت سائقاً لمدة 13 عاما أتجول في جميع محافظات غزة من أقصى الشمال إلى الجنوب ، التقيت خلالها بكل أطياف الناس وخاصة النساء، وفي يوم أغراني به الشيطان حاولت فيه الاعتداء على أحد الفتيات إلا أنه تم القبض عليّ ومحاكمتي لـمدة 5 سنوات، عدا عن مصادرة سيارتي".
وتابع بصوت الندم والحسرة: "لقد دمرت نفسي ، وألحقت الأذى بأبنائي الذين حرمتهم من والدهم، لأنزل في مركز التأهيل والإصلاح، وألتقي بأخوة أفاضل حيث تم تأهيلي وإعادة ذاتي من جديد عبر برامج خاصة ودعاة للوعظ والإرشاد ، ومداومتي على أداء الصلاة بشكل دائم ، وحفظ بعض من أجزاء القرآن الكريم".
وأشار إلى أنه يتم الحفاظ عليهم بكافة السبل ، واتباع سياسة الكتاب المفتوح من خلال تقبل شكاوي الجميع، والعمل في المطبخ والتجول بحرية داخل أقسام المركز، والاستفادة من الأوقات وإعطاء الإرشادات الدينية التي هم بحاجة إليها.
تأهيل النزلاء
بدورها ، بينت مديرة مركز التأهيل والإصلاح النقيب أمل نوفل أنه يتم اتباع خطوات عديدة لاحتضان النزيلة ومعرفة التهم الموجهة إليها، ومن ثم عرضها على المرشدة النفسية من أجل إعادة تأهيلها نفسياً ومعنوياً وإشعارها بالأمان من أجل إيجاد نفس خصبة قابلة للتغيير وفقاً لبرامج خاصة وخطة محددة بالتعاون مع كافة الوزارات والمؤسسات المختصة، مشيرة إلى تخصيص يوم الخميس للزيارة، ويومي الاثنين والأربعاء من أجل التواصل مع ذويهم، وعقد العديد من الرحلات الترفيهية في أماكن مغلقة خارج المركز للنزيلات.
الاندماج اجتماعياً
من جانبه ، قال مدير المركز المقدم سامح حمدان: "إننا نعمل جاهدين لإحداث أثر إيجابي وفعال في سلوكهم من خلال الوسائل الإصلاحية بهدف تحسين قدرتهم على الاندماج في المجتمع ، والمساعدة في حل الإشكاليات القانونية وتيسير شئونهم وتدريبهم لتنمية مهاراتهم وقدراتهم وإكسابهم حِرفاً مفيدة خلال مدة تنفيذ العقوبة من أجل مساعدتهم بعد إطلاق سراحهم".
وأضاف: "تم تفعيل عدة مشاريع خاصة بالنزلاء منها؛ مشروع حفظ القرآن الكريم والحديث الشريف لـ 50 نزيلا، و مشروع محو الأمية الذي استفاد منه ما يقارب 80 نزيلا ونزيلة، بالإضافة لمشروع مكافحة المخدرات لـ 100 نزيل، ومتابعة الالتحاق بالجامعات لـحوالي 15 نزيلا".
وتابع: "نحن بصدد إنجاز مصنع لعمل المعجنات وآخر للخياطة، وعدة أقسام إنشائية وإنتاجية وصيانة المحمول، إلى جانب إنشاء مسجد كبير وتطوير العيادة الطبية للطب العام وعيادة الأسنان بأحدث المعدات وتوفير طاقم طبي كبير لإنهاء حالة العلاج العشوائي وإمكانية التحويل للعلاج خارج المركز عبر المستشفيات ، عدا عن مختبر طبي وصيدلية لكافة الأدوية اللازمة.
وأشاد حمدان بدور الجهات المختصة التي تمد يد العون للارتقاء بالنزلاء التي تسعى لتفعيل العلاقة مع كافة الوزارات والمؤسسات الحكومية والقانونية والحقوقية لخلق رأى عام لدعم ومساندة قضايا النزلاء وتأهيلهم لأنها مهمة مجتمع بأكمله ولا تقتصر على عمل وزارة الداخلية فقط، مشدداً على ضرورة اتباع العديد من الوسائل لإشراك جميع أطياف المجتمع بكافة مؤسساته الحكومية والمجتمع المدني.

