غزة - الرأي- آصال أبو طاقية وبثينة اشتيوي:
مضت خمس سنوات على عدوان "الرصاص المصبوب"، ولم تمض معها ذكريات الألم والأسى على فراق الأهل والأحبة، بعدما كانت ضحكاتهم وهمساتهم تعج في كل زاوية من زوايا المكان، بيد أن صواريخ الغدر الصهيونية أبت إلا وأن تقتل ابتسامتهم البريئة وتذبح طفولتهم أمام مرأى ومسمع الجميع.
"الرأي" تجولت في بيوت بعض الناجين من الحرب، وبثت معالم الصبر والإصرار على استعادة روح الحياة من جديد رغم عظم الألم الذي يعصف بهم.
ابتسامة رقيقة
أقبلت إلينا جميلة العبد الهباش "19 عاماً"، والتي تدرس الإعلام بجامعة الأقصى بغزة، من بوابة غرفتها بكرسيها المتحرك الذي بقيَ شاهداً حتى الآن على بشاعة ما ارتكبه الاحتلال "الإسرائيلي" من جرائم في حق أرواح الأطفال.
ألقت التحية وجانبتنا في الجِلسة، عيناها البريئتين تضج بمعالم التحدي والثبات، وابتسامتها الرقيقة لم تفارق محياها طيلة الحديث المفعم بروح العزيمة والتحدي.
وكعادته، غدر الاحتلال في الرابع من يناير لعام 2009 وأطلق نيرانه الخبيثة عليها وشقيقتها وأبناء عمومتها، حينما كانت تلهو أعلى البيت برفقتهم لتروي الحكاية: "عندما قطعت الكهرباء، قررنا أن نرى النور واللعب أعلى البيت، فجأة تم قصفنا بصاروخ إسرائيلي مزَّق أشلاء شقيقتي شذا وأبناء عمي إسراء ومحمد، وأصبنا جميعاً، على إثرها دخلت في غيبوبة لم أصحُ منها إلا وأنا ممددة على سرير المستشفى".
لم تكن تعلم حينها أن القدر سيبقيها بلا قدمين، لتخبرها الطبيبة بأن قدميها قد بترت وسارعت إلى القول بأنها سرعان ما ستعود إلى الحياة لتمشي مثلما كانت بعد أن تضع قدمين صناعيتين.
أكملت جميلة مشوارها بدراستها الثانوية رغم ما لحق بها من عظيم المحن والصعوبات في تحول مسار حياتها لأن تصبح جسداً ضعيفاً يحتاج العون في كل لحظة من الحياة.
تحقيقٌ للحلـم
التحقت الهباش في دورة الإعلام التلفزيوني بقناة الجزيرة في قطر عام 2010 ، لتكون أصغر الحاضرين آنذاك لتصف سعادتها قائلةً: "لقد أضافت هذه الدورة إلى حياتي الكثير، وكانت تجربة رائعة وفريدة جداً، فقد حققت مرادي بالوصول إلى هذا المكان مبكراً، مما ألهمني فيضاً من الصبر والعزيمة لإكمال المشوار الذي بدأت به".
سافرت الهباش إلى فرنسا لتلقى العلاج بعد فقدانها لساقيها وخرق أذنها وحدوث جروح في عينيها، لتحمل جرحها الملازم لها في كل ترحال، متنقلةً في العديد من المدن لتكون خلالها سفيرة لأطفال فلسطين وأنموذجاً حياً على معاناتهم التي فاقت كل التصورات.
وأضافت: "شاركت في العديد من المؤتمرات، فكنت شاهداً حياً على جرائم الاحتلال، وحاولت إيصال رسالة الشعب الفلسطيني وكشف حقيقة الاحتلال في ظل ما يمارسه من تضليل متعمد في عقول الغربيين، واجهت الكثير من المتنكرين للحقوق، إلا أنني شعرتُ بعظم فلسطينيتي وما أحمله من رسالة سامية".
بإرادتي نجحت
لم تكن الحياة لتبسط كفيها وروداً أمام طريق الهباش، فقد عانت من صعوبات جمة في كل تفاصيل حياتها، إلا أنها تشعر بقرب شديد من تحقيق حلمها في الوصول إلى قمة العمل الإعلامي الفلسطيني، وما زالت تُطوع كل الامكانيات والقدرات من أجل بلوغ مرادها.
وأردفت والأمل يحذوها: "أحلم في أن أحقق ما أشتهيه في السير على قدماي من جديد، وأن أصبح إعلاميةً فلسطينية تحمل قضيتها وهمّ وطنها، أينما ذهبت في كل محفل من محافل هذا العالم، وأن يصبح كل فلسطيني سفيراً لشعبه".
وجهت الهباش كلماتها ورسالتها الزاخرتين بمعاني الرضا والاحتساب إلى ذوي الاحتياجات الخاصة الذين يشاطرون الألم نفسه في أن الأقدام والأيادي لا تصنع نجاحاً للإنسان، بل الإٍيمان بالله والإصرار على النجاح هو الطريق للوصول إلى الهدف والغاية.


