اثنان وعشرون يوماً من حرب همجية هي الأكثر نازية ودموية ووحشية في تاريخ الشعب الفلسطيني منذ الاحتلال الصهيوني، أسمتها المقاومة الفلسطينية بفصائلها المختلفة "معركة الفرقان"، وأسماها العدو الصهيوني "الرصاص المصبوب"، وتأتي تلك الحرب بعد انتهاء تهدئة دامت ستة أشهر كان قد تم التوصل إليها بين فصائل المقاومة الفلسطينية (حماس والجهاد الإسلامي) من جهة والعدو الصهيوني من جهة أخرى برعاية مصرية في يونيو 2008م، وتم خرق التهدئة من قبل العدو الصهيوني وعدم التزامه باستحقاقاته من حيث رفع الحصار الذي يفرضه على القطاع منذ 2007م، وبدورها رفضت الفصائل المقاومة الفلسطينية تمديد التهدئة.
ففي السابع والعشرين من ديسمبر 2008م بدأ العدوان الصهيوني على قطاع غزة، وكان اليوم الأول هو الأكثر دموية من حيث عدد الشهداء الفلسطينيين؛ إذ تسبب القصف الجوي الصهيوني في استشهاد أكثر من (200) شهيداً، وجرح أكثر من (700) آخرين، مما أدي إلى تسمية أحداث ذلك اليوم الدامية بمجزرة السبت الأسود في وسائل الإعلام، وعلى مدار اثنين وعشرين يوماً استنفر العدو الصهيوني ترسانته العسكرية خدمةً لعدوانه ضد المقاومة الفلسطينية، فالطائرات الحربية الصهيونية لا تغادر سماء قطاع غزة منذ الساعات الأولي للعدوان، والدبابات العسكرية الصهيونية تتقدم صوب التجمعات السكنية مهددةً منازل وأراضي المواطنين، والبوارج والزوارق الحربية متمركزة في عرض بحر غزة تأهباً لإطلاق القذائف صوب شواطئ القطاع، وهذا الحشد جاء بعد إعلان العدو الصهيوني الحرب على المقاومة الفلسطينية بالقطاع بعدة أهداف ولعل أهمها: القضاء على حكم حماس في القطاع وإضعاف شوكة المقاومة به.
وبعد سبعة أيامٍ متواصلة من القصف المكثف لطائرات العدو الصهيوني، القصف الذي طال الأخضر واليابس، والذي لم يفرق بين المدنيين والمقاتلين، جاء اليوم الثامن للحرب بالتوغل البري للقطاع، حيث استدع العدو الصهيوني المزيد من قواته وجنود الاحتياط، معلناً بدء التوغل البري نحو التجمعات السكنية ليوقع المزيد من الشهداء الأطفال والنساء والشباب العزل، ولم يكتفِ
العدو الصهيوني باستخدام الأسلحة المتعارف عليها والمألوف استخدامها في الحروب، بل امتد لاستخدام الأسلحة المحرمة دولياً بما فيها من القذائف الفسفورية والقذائف اليورانيوم، والقذائف المسمارية، بالإضافة إلى إبادة جماعية لبعض العائلات الفلسطينية من خلال استهداف مساكنهم الآمنة مثل عائلة السموني والداية وأيضا عائلة الشهيد نزار ريان، وخلفت الحرب العديد من الشهداء والذي يقدر عددهم ب (1500) شهيداً، كان من ضمنهم قيادات في حركة المقاومة الفلسطينية (حماس)، وهم: القيادي نزار ريان, ووزير الداخلية سعيد صيام، وبلغ عدد الجرحى (5000) جريحاً، وعلى صعيد الخسائر المادية لتلك الحرب فبلغ عدد المواطنين الذين شردوا جراء تدمير بيوتهم ب (9000) مشرداً، وبلغ عدد المساجد المدمرة ب (34) مسجداً بشكل كلي و(167) بشكل جزئي، وتم تدمير (34) مرفقاً صحياً، وتضررت (226) مدرسةً.
ورغم تلك المعاناة التي عاشها سكان قطاع غزة، ارتسمت على أرض غزة طوال اثنين وعشرين يوماً أروع الصور التي تمجد تاريخ ذلك الشعب وصموده، حيث امتزجت صورة المعاناة مع البطولة والمأساة مع الشموخ، والألم مع العزة، والحزن مع الثبات، وصورة المجاهد الذي يحمل روحه على كفه مع صورة المواطن الصامد الداعم للمقاومة، وغيرها من صور التي تخلد الوفاء لأرض فلسطين والتمسك بالأرض بالثوابت الوطنية.
فحرب " معركة الفرقان" كانت بمثابة البداية الجديدة لعهد سطرته المقاومة الفلسطينية، ورسمت معالمه بدماء الشهداء، ملونةً المستقبل بألوان النصر والحرية، حيث استطاعت المقاومة الفلسطينية القضاء على غطرسة العدو الصهيوني، وتوجيه ضربات موجعة له بالعمق الداخلي للعدو، بجانب الاستمرار بإطلاق صورايخ المقاومة لتنهمر كالمطر على مستعمرات العدو الصهيوني المجاورة للقطاع، وتعلن فشل العدو الصهيوني في تحقيق أهداف تلك الحرب التي شنها، لتخرج آلاف المواطنين احتفالاً بالنصر المُؤزر وتردد الهتافات والشعارات التي تشيد وتمجد المقاومة الفلسطينية.

