أخبار » تقارير

بالصور| طفل غزي فاق سنه بصناعة الفخار

27 آب / يناير 2014 07:36

الطفل محمود عطا الله أثناء صناعة الفخار
الطفل محمود عطا الله أثناء صناعة الفخار

غزة – الرأي - عروبة عثمان

بأنامله الصغيرة يجسّد من الطين حكاياتٍ تنفخ الروح بماضٍ عريق، فبخفّة وحرفية عالية تتنقّل هذه الأنامل بين قطع الطين، مشكّلةً منها فخاراً يبوح بقصص تراثيّة لا مناص من استرجاع ذكرياتها، هو لم يتخطَ الاثنتي عشرة سنة بعد، غير أن إبداعه تخطّى عمره الزمني.

ففي غزّة التي يسكنها الحصار، يكبر الطفل قبل أوانه، ويبدأ بمعايشة فصول شظف العيش لينتج منها صوراً ناصعة البياض تمحو من ذاكرته مشاهد قاتمة السواد، فمهما تكاثرت مسوغات الموت، يفرض أطفال غزّة نفسهم على الموت حتى يصبحوا على موعدٍ مع بعث نقيضه من جديد.

هذا هو حال الطفل الغزي محمود مصطفى عطا الله (11 عاماً) المتفنّن بصناعة الفخار، فمنذ نحو أربع سنوات وأنامله تداعب الطين، منتجاً منها أبهى قطع الفخار بعد أن نسج علاقة حب بها، فتعلّمها واكتسب مهاراتها وفنونها من والده وأجداده.

موهبة وفن

ورغم صغر سن عطا الله، إلا أنّه يتفوّق بهذه المهنة على من يكبرونه، متحسسّاً حلاوتها وأهميتها في إحياء التراث الفلسطيني، فيقصّ حكايته لـ"الرأي" قائلاً: "حينما باشر والدي بتعليمي هذه المهنة، حسبتها صعبة نظراً لمرورها بمراحل عادة من تذويبٍ للطين وتشكيله وتسخينه، إلا أن تمرّني على مهاراتها قلّب نظرتي فيها".

ويضيف، ومن حوله قطع الفخار المكوّمة على رفوف مصنع أهله الصغير: "أصبحت مبدعاً فيها، ومستمتعاً بكل خطوة من خطوات صناعة الفخار. هذه المهنة تتطلّب فناً وذوقاً كبيرين، وتكشف مواهبنا وتميّز صانعاً عن آخر. في كلّ مرّة أضيف شيئاً جديداً مختلفاً، وأصنع أشكالاً مختلفة من المزهريات مثلاً".

وتستوطن مسألة الحفاظ على جذور التاريخ الفلسطيني عقل الطفل عبد الله، فيرى أن تعلّم صناعة الفخار يشكّل ملمحاً هاماً من ملامح ترسيخ التراث في أذهان الأجيال الناشئة.

 ويمتعض الطفل عطا الله من مساهمة بعض الفلسطينيين في تغييب هذه المهنة ودثرها، قائلاً: "للأسف، الأجانب حينما يزورون غزة، يسجّلون نسبة إقبال كبيرة على شراء الفخار، بينما هناك عدد لا بأس به من الفلسطينيين لا يحبّذون شراء الفخار ولا يحفزّون على صناعته".

ويرجع عطا الله ذلك إلى قلّة الاهتمام بكلّ ما من شأنه أن يسترجع التراث، عدا عن اكتظاظ السوق المحلي بالأدوات البديلة عن الفخار، مثل الألمونيوم والأواني الزجاجية التي تستوردها غزّة من الصين، الأمر الذي يجعل الغزيين يعزفون عن شراء الفخار.

مراحل تصنيع الفخار

يبدأ مبدعو هذه المهنة صناعتهم بحصولهم على المادة الخام من الطين من البريّة، ثم يعرضونها لأشعة الشمس لمدة أسبوع كامل، ثم يعملون على تذوبيها في حوض ماء صغير لإزالة الشوائب منها.

ويكمل الطفل عطا الله: "بعد ذلك، نضع الطين في حوض ماء أكبر من سابقه، ثم نضعه في الماكينة المخصصة له من أجل إكسابه بعض الطراوة إلى حين يتحوّل إلى قوالب".

ويتابع: "نضع القوالب بعد ذلك على الدولاب، ونباشر بتشكيلها حسب الطلب، ثم نعرّضها للشمس مجدداً ليومٍ كامل، ومن ثم نفرزها ونكوّمها كي نجهزها للفرن فنعمل على تسخينها ".

وبحسب عطا الله، تبدأ عملية التسخين عبر إشعال التنور لخمسة أيام متتالية، ثم يُحرق الفخار وسط حرارة شديدة تصل إلى 800 درجة مئوية، وتستمر هذه العملية لأسبوع كامل.

وبعد طيّ صفحة هذه العملية، يظهر الفخار متماسكاً ويتركه الصانعون في الأجواء المكشوفة حتى يبرد بشكل نهائي ويصبح في متناول المواطنين.

ولم تقف هذه الصناعة عائقاً بوجه الطفل عطا الله لإكمال تعليمه الدراسي، فرغم كل الصعوبات والتحديات التي تحيط بالأطفال الغزيين، غير أنهم يثبتون على الدوام حبّهم للحياة إذا ما استطاعوا إليها سبيلاً.

تصوير/ ضياء الآغا 


متعلقات
انشر عبر
إستطلاع للرأي
جاري التصويت ...
ما مدى رضاك عن أداء المؤسسات الحكومية بشكل عام؟