غزة – الرأي - محمد السنوار
"تكلم كي أراك" حكمة عربية قديمة تلخص أهمية الكلام في التواصل الاجتماعي، فإذا كان الكلام مهماً بين الناس لتحقيق التعارف والتعاون والتكامل فإنه أكثر أهمية بين الزوجين، إذ يسهم الصمت في إرباك الحياة الزوجية، وإثارة الشكوك فيها بل وفي بعض الأحيان يدمرها.
فانعدام الحوار بين الزوجين يزرع الشك ويعزز المشاكل، وقد يظن كلا الطرفين أن الآخر يتخذ موقفاً خاصاً تجاهه؛ فيدَّعي الإرهاق والتعب ليهرب من الحوار وجلسات النقاش. وهكذا تسهم الشكوك في شرخ جدار الزوجية، وتقويض أعمدتها وتصيبها بداء "الخرس الزوجي".
وكشفت دراسة أعدَّها مركز "ستاتك للاستشارات الإحصائية والتطوير" في قطاع غزة أن نسبة عدد الأسر التي تعاني من الخرس الزوجي تصل لـ"57%"، وتبين أن المتعلمين يعانون من "الخرس الزوجي" أكثر من أقرانهم غير المتعلمين وكذلك العاملين على أقرانهم غير العاملين، ذلك لأن العاملين يتحدثون بشكل كبير مع زملائهم في العمل ولا يقومون بذلك ببيوتهم.
سبب رئيسي للطلاق
وفي تفصيل مقتضب للدراسة التي حملت عنوان "الخرس الأسري بين الأزواج في قطاع غزة"، يقول الباحث ومعد الدراسة "خليل مقداد"، أنها ضمت حوالي "180" أسرة غزية من أصل "222" ألف أسرة، وبدأت في ديسمبر من العام الماضي.
وأرجع مقداد أسباب "الخرس الزوجي" إلى الأسرة المنشئة لأنها المسئول المباشر عن أفراد المجتمع، وذلك لانعدام الحوار بين أفرادها، بالإضافة إلى المجتمع، مبيناً أن انعدام الحوار بين الزوجين هو أحد الأسباب الرئيسية للطلاق في المجتمع الغزي.
وقال الباحث مقداد: "إن أهم أسباب الطلاق المبكر هو عدم النضج، وعدم التفاهم، الذي يسبب "الخرس الزوجي"، مشيراً إلى أن مشكلة انطواء الأزواج وصمتهم في المنزل أصبحت من القضايا التي تُخصَّص لها نقاشات مفردة في الندوات العالمية، وذلك لما لها من تأثير سلبي في الحياة الزوجية عامة.
وخلصت الدراسة إلى أن "الخرس الزوجي" قنبلة موقوتة تضاعف المشاكل وتزيد الفجوة العاطفية بين الزوجين وعلى كلاهما أن يتعلم فن الحوار باختيار الوقت المناسب، وعدم الانفعال، والبعد عن الجدل والمراء، وحسن الإصغاء، وعدم المقاطعة، فمثل هذه الأمور وغيرها تحقق نجاح الحوارات بين الزوجين وتشجع على استمرارها.
وأشار مقداد إلى أن مراكز الإحصاء في الوطن العربي لم تتحدث عن موضوع "الخرس الزوجي" رغم أهميته، مستدركاً: "إن هناك مسؤوليات اجتماعية تقع على عاتق الأخصائيين الاجتماعين للتوعية الجمهور من خطر "الخرس الزوجي".
طبيعة بشرية
ويرى أخصائيون اجتماعيون أن الأسباب المؤدية إلى "الخرس الزوجي" تختلف باختلاف الأشخاص وطبيعة العلاقة بين الزوجين، فقد يكون منها عدم الصراحة والوضوح بين الطرفين، وقد يرجع بعضها إلى الرتابة في العلاقة الزوجية، أو كثرة المشكلات بين الزوجين.
وحصر الأخصائي النفسي د. درداح الشاعر المحاضر بجامعة الأقصى،" الخرس الزوجي" في أمور عدة أهمها عدم وجود الحب واختلاف ميول الطرفين،بالإضافة إلى عدم الوعي بأهمية الحوار والظن والخوف من تكرار الفشل أو رد الفعل السلبي والتعب والقلق الخارجي.
وأوضح الشاعر، أن بعض الأزواج يعتقدون أن الأفعال تُغني عن الأقوال، مشيراً إلى أن هذا الأمر يعتبر نصف الحقيقة واللسان النصف الآخر.
ظروف صعبة
وللظروف الاجتماعية المختلفة تأثير مباشر وقوي تؤدي إلى "الخرس الزوجي"، كما يقول د. الشاعر، معتبراً التكاليف الباهظة إحداها؛ وقمع الحريات بالمنزل سبب آخر.
ومن أهم الأساليب التي تدفع حالة "الخرس" إلى حالة "الحوار" هي أن يكون تشخيصنا لوظائف الصمت دقيقة بوضع اليد على العلة التي تؤدي "للخرس الزوجي".
وأوضح الشاعر، أن الإنسان بحكم تركيبه النفسي يحتاج لمثر خارجي للحديث، والكلام أول درجة في سلَّم الوصال، ومن ثم فإن الصمت يمزق هذا الوصال، ويجب تجاوز أي مشكلة في الحياة الزوجية بحيث لا يتعطل الاتصال، مضيفاً: "للحديث آدابه يجب على كلا الزوجين مراعاتها".
وسواء أكان الخرس من الزوج أم من الزوجة، فإن مواجهته وتمزيقه واجبة على كلاهما "بالكلام"، من أجل بقاء كيان الأسرة؛ لأن الكلام عنصر من أهم عناصر التفاهم بين الزوجين، فالبيت المسلم يقوم على مشاركة الزوجين، ويهدف إلى السكن والمودة والرحمة، وذلك من أهم الواجبات الملقاة على عاتق كل منهما.

