القدس المحتلة- الرأي
نشأ في أسرة محافظة وكونه أصغرهم كان كثيراً ما يلقى متابعة من الجميع بداية بالوالدين وانتهاءً بالإخوة الذين لطالما كانوا يوصونه بأمرين الصلاة والتفوق الدراسي.
ولد عام 1983م، تربى في كنف عائلة بسيطة ، وأحب اللعب كثيراً، لكن سرعان ما تحولت حياته ليصبح مكتبة قيمة فيها الدنيا والآخرة، سعيد إبراهيم ملحم القلقيلي إمام المسجد الأقصى، يكنى بأبي عبد الرحمن، له من البنات واحدة سماها مريم ويسأل الله أن يرزقه بعبد الرحمن عمَّا قريب.
كانت طفولة سعيد طفولة بسيطة يلعب كما يلعب الأطفال، ويذهب إلى المدرسة لكنه كان متميزاً في دراسته منذ صغره.
يقول سعيد: " كان أخي حسن كثيراً ما يضغط علي في هاذين الأمرين، الصلاة والتحصيل العلمي وبفضل من الله أولا ثم بأخي حسن تفوقت في دراساتي وتحصيلي العلمي، ما أهلني إلى الحصول على منحة من جامعة عجمان في الإمارات".
كان الطفل سعيد محبوباً ومدللاً حتى من جيرانه وجاراته الذين كانوا يحبونه حباً جما، وخاصة أنه كان من الطلبة المتفوقين والأذكياء وعند استلام سعيد الشهادات كانوا يفرحوا له فرحاً كبيرا.
حادثة غريبة
منذ عمر 15 عاماً، بدأ عند القلقيلي الرغبة في تعلم القرآن الكريم وحفظه حيث جاءت فكرة الحفظ من حادثة غريبة يقصها علينا " كان أخي يملك سيارة، يذهب ويرجع فيها إلى وظيفته، وذات يوم خرج أخي في الصباح ثم عاد بعد 5 دقائق، أظنه نسي غرض ما، فذهبت إلى السيارة وفتحت المسجل وإذ به صوت جميل لأحد القراء أحببته، فأخذت هذا الشريط من السيارة ورحت اسمع في القران مرات عديدة، كان الصوت الجميل حينها لإمام الحرم المكي السديس وشريم الذين شغفت بصوتهما".
ويتابع: "ساق ربي الحادثة كلها لأكون على ما أنا عليه الآن من إمامٍ للأقصى وحافظُ لكتاب الله مع القراءات العشرة".
منذ معرفته بأصحاب تلك الأصوات، بدأ سعيد بشراء الكاسيتات الخاصة بهم والتعرف عليهم أكثر وأكثر ومن إعجابه الشديد بصوتهما، فبدأ بتقليدهم حتى أصبحت عنده ملكة تقليدهم.
ويتابع بالقول:" بعد أشهرٍ عديدة من سماع صوتهما ( شريم والسديس) ، أصبح عندي رغبة في حفظ القران وكان عمري آنذاك 18 عاماً في الثانوية العامة، حيث حفظت 8 أجزاء وكانت أول ما حفظ سعيد بإتقان".
حياته الجامعية
أنهى سعيد مرحلة الثانوية العامة وحصل على منحة من جامعة عجمان في الإمارات، لدراسة تخصص هندسة كمبيوتر، فسافر كي يدرس وهنا بدأت شخصية إمام الأقصى حالياً بالظهور شيئاً فشيئاً.
يقول "من جامعة عجمان كانت انطلاقتي، زملاء أصبحوا فيما بعد مشايخي وهم من دلوني على هذا ، هؤلاء هم من أكملت حفظ القران على أيديهم.
وقال:" حفظت القران عن ظهر غيب، وبدأت رحلة جديد مع القراءات حتى تمكنت من الحصول على سند متصل عن رسول الله وأجازوني المشايخ، وأنا الآن مجاز بعشر قراءات وعشرين رواية".
سفير فلسطين
لم تكن فكرة المسابقات الدولية حاضرة في ذهن القارئ سعيد، كونه كان مشغولاً بالتعليم والوقت كالسيف، ولكن في عام 2009 قابل سعيد القلقيلي الشيخ عاطف يوسف مدير عام التحفيظ في وزارة الأوقاف بالضفة الغربية ذلك الوقت وقام بإدراج اسمه في مسابقة الأردن.
ذهب القلقيلي مسابقتان واحدة إلى روسيا والأخرى إلى الأردن في عهد عاطف يوسف مدير التحفيظ في وزارة الأوقاف حصل فيها القلقيلي على المراكز الأولى.
أما المسابقة الثالثة في غير عهد عاطف يوسف، حيث كان توجهه إلى الكويت للمشاركة في مسابقة الكويت الدولية والمستوى الذي شارك فيها سعيد بسبع قراءات.
ككل متسابق أحب سعيد أن تفرز القرعة عن تأخره في التسميع، ولكن إرادة الله شاءت أن يكون الأول مع أنه وصل قبل عقد المسابقة بيوم.
وقال :" المسابقة استمرت 7 أيام وصلنا نحن يوم الاثنين.. يوم الاثنين كانت راحة لم أراجع شيئاً، وفي اليوم التالي قرعة المتسابقين تمنيت أن أكون أخر المتسابقين لسببين، أولهما حتى أعرف ما هو مستوى المتسابقين والثاني يكون معك وقت للمراجعة لكن القرعة أفرزتني المتسابق الأول".
طلب رئيس اللجنة في مسابقة الكويت من المتسابق القلقيلي قراءة سورة الفاتحة، مع أنها ليست ضمن الأسئلة التي يختبر فيها المتسابقون، فقال المشاركون هذا تعاطف ومحاباة للفلسطيني لكنه تبين بعد ذلك أنه سؤال فقط للبركة وبدأ المسابقة بأم الكتاب.
وصل أعداد المتسابقين في مسابقة الكويت الدولية لتحفيظ القران مئات القرًّاء والمتسابقين، والتوقعات كانت تشير بأن الفلسطيني أولاً والمصري ثانياً والكويتي ثالثاً لكن النتيجة الكويتي في المركز الأول والفلسطيني في المركز الثاني.
إماماً للأقصى
موضوع إمامة المسجد الأقصى المبارك جاءت نتيجة لكثيرٍ من الرؤى التي تواترت لسعيد في المنام وهو يصلي في الناس إماماً.
حدًّث الشيخ سعيد القلقيلي أقرانه وأصدقاءه بموضوع الرؤى المنامية التي تواترت وهو إماما للأقصى، فكان إخوته وزملائه ينظرون إليه نظرة استغراب واستهجان لما يتحدث، وكأن لسان حالهم يقول: "ما به الرجل".
وبعدم إيمان أصدقائه بطموحه ورغبته، لجأ سعيد لأبيه وطلب منه بأن يبحث عن سبيل ليصبح ابنه القلقيلي إماماً للأقصى، فرد الأب على ابنه معنفاً إياه منزعجاً لما يطلبه الابن وكأن لسان حاله يقول: "شكلك شكل أقصى يا بني".
حلم يكبر
يقول سعيد سفير فلسطين في القران كما أحب البعض أن يطلق عليه "عندما عدت إلى فلسطين عام 2007 نقلت الفضائيات الفلسطينية صلاة التراويح من المسجد الأقصى لأول مرة، هنا تشوقت وبدأ حلمي يكبر ويكبر لإمامة الأقصى".
وتابع :" قمت بترتيب أوراقي وشهاداتي في القرآن الكريم مع صوت مسجل، وأرسلتهم مع صديقٍ لي من منطقة قلقيلية إلى إدارة المسجد الأقصى المبارك، حيث كان حسن البراغيثي رحمة الله عليه هو مدير الأقصى في ذلك الوقت الذي أبدى بدوره إعجابه بشهاداتي وقرأتي".
في عام 2008 وبعد ذهابه للإمارات والعودة منها بدأ بعض أصدقائه يتحدثوا عن نيتهم شد الرحال للأقصى والصلاة فيه "الجمعة والتراويح" وقرر سعيد بالذهاب بالذهاب معهم يوم الجمعة.
عدم النوم
ويعبر سعيد بكلمات تصف حاله قبل الذهاب للأقصى "يوم الخميس ليلة جمعة شد الرحال للمسجد الأقصى لم أنم تلك الليلة وأنا أفكر في الأقصى وكيف سأدخل وأنا تحت السن القانوني المسموح له بالدخول، وفي الصباح دخل كل زملائي القدس وبقيت وحيداً أتخبط على معابرها علًّ وعسى أصل إلى من حلمت أن أصل إليه يوماً".
بعد رفض جنود المعابر إدخاله للقدس ركب سيارة كي تنقله إلى رام الله، ومن خلالها يتوجه إلى مدينته قلقيلية وما أن ركب سعيد السيارة حتى اتصل فيه مسئول حملة شد الرحال للأقصى، طالباً منه انتظاره.
وبعد نزول سعيد من السيارة ذهب لمسجد قلنديا القريب من المعبر كي يرتاح فيه لحين عودة الزملاء من الأقصى، وما أن وصل حتى سيطر عليه النعاس فنام حتى قبيل صلاة الظهر وبعد تأديته لصلاة الجمعة نام الشيخ مرة أخرى حتى العصر، فليلة الأمس لم ينم الشيخ سعيد وهو يفكر في دخوله الأقصى.
حكاية جديدة
بعد أن صلى العصر جماعةً خرج سعيد كي يحاول محاولة عساها تكون خير، ولكن مطبُ ومعضلةُ أولى قبل وصوله المعبر وهي ضياع حذائه فاضطر الشيخ أن ينتظر حتى خروج المصلين وانتهاء الدرس كي يأخذ حذاءً أخر يصل فيه الأقصى أو بلده قلقيلية.
حذاء لعاملِ باطون يشبه الأحذية الحديدية لبسه الشيخ متوجهاً فيه للمعبر حيث شعر بداياتها بالأنس جراء رؤيته لشباب في عمره هناك، يحاولون الدخول وسرعان ما تبدد هذا الأنس كونهم يحملون الهويات الزرقاء المقدسية كاد سعيد على إثرها أن يرجع.
ويتابع سعيد "جاء دوري على الشباك، فألهمني الله أن أريها جواز سفر الأردن المطبوع عليه فيزا الإمارات الحمراء الجميلة، ولكنها عرفت ذلك وطلبت مني أن أريها الفيزا "الإسرائيلية" وليست الإماراتية، فما كان مني إلا أن اعتبر نفسي جاهل لا أعرف ماذا تتكلم، وبعد مدٍ وجزر بيني وبينها جاء الفرج ودخلت بيت المقدس والمسجد الأقصى".
ركب سعيد حتى وصل الأقصى الذي لطالما حلم أن يصلي فيه، وما أن وصل حتى لقي هناك زميله من قلقيلية الذي أرسل إليه الأوراق قبل عامين إلى إدارة الأقصى، فاصطحبه زميله وأخذه إلى مدير الأقصى.
قبيل صلاة المغرب، تعرف سعيد على مدير الأقصى في ذلك الوقت، حيث أخبره بدوره عن تكليف المسؤولين له بالبحث عن سعيد، ففرح ملحم لهذا الخبر وشعر بأن الفرصة سانحة وتقترب منه شيئاً فشيئاً.
اتصل مدير الأقصى بالشيخ وليد صيام وطلب منه ركعتين كي يختبروا الأمام الجديد سعيد القلقيلي، فرد صيام قائلاً: "لي هذا اليوم أربع ركعات فليصليها عني الشيخ سعيد".
ويؤكد سعيد بأنه مستغربُ جداً من موافقة وليد صيام على طلب مدير الأقصى، حيث جرت العادة على رفض الأئمة لهكذا طلب.
يقول الشيخ سعيد "فوق الإحساس والمشاعر لا أستطيع أن أصف ذلك الموقف فهو أكبر من أي شعور، وأخيراً سعيد إماماً للأقصى ويصلي في الناس" رافضاً في الوقت ذاته أن يكون شعر بالخوف وكأن الله ألهمه الثبات.
منذ 2008 وحتى الآن، يعد الشيخ سعيد من الأئمة الأساسيين في المسجد الأقصى، حيث يدعى في كل شهر رمضان كي يصلي في الناس.
بعد إنهائه لصلاة التراويح، رجع ملحم مع أهل بلدته إلى قلقيلية، وفي اليوم التالي اتصل فيه مدير الأقصى حسن مستفسراً أين أنت يا سعيد؟ وطالباً منه العودة إلى الأقصى كي يصلي مرةً أخرى في رحابه وبين جنباته.
بحزن وألم "لا أملك إلا الدعاء ويعلم المقربون مني كم تأتِيَني رؤى وأنا أصلي في الناس في رحاب الأقصى الأسير، حتى أنه لا يمر أسبوع إلا وأرى نفسي مرتين وثلاثة أصلي في الناس هناك".
ويقسم الشيخ "والله الأقصى الذي خدمنا ولسنا نحن من خدمناه، ولكن إذا كانت صلاتي فيه تريح الناس وتجعلهم يقبلوا على الأقصى أكثر وأكثر فأحتسبه عند الله".

