يوم الأربعاء 15/5/1985 كان يوماً مميزاً في التعذيب، فبعد الشبح في الماسورة ثلاثة أيام، وبعد ليلة طويلة تحت الدش البارد، والمروحة، تم تقديمي في الصباح وجبة ناضجة للمحقق أبو عنتر، هكذا كان يظن حين بادراني بالحديث عن عذاب الليلة الماضية، وعن المفاجآت التي تنتظرني إذا لم أعترف.
ولكنني لا أعرف شيئاً عما تتحدث فيه يا أبا عنتر، لا أعرف شيئا.
بعد دقائق من الحديث الناعم أدرك المحقق أنني ما زلت على موقفي الثابت، فضغط على الجرس، واستدعى المساعدة من المحقق أبو رشدي، ومحقق آخر يسمي نفسه أبو الوليد، الذي فتح الكلبشة الأمريكي، ووضعها في المسافة الفاصلة بين مرفقي والكوع، ومن مميزات الكلبشة الأمريكي أنها متحركة، تضغط آلياً على الذراع كلما زاد ضغط الجسد عليها، وهي على خلاق الكلبشة الإنجليزي التي تطبق على اليد، بمستوى معين ولا تزيد.
بعد أن أطبق المحقق الكلبشة، انقض الثلاثة بشكل مفاجئ على جسدي، وتمكنوا من طرحي أرضاً، ليجلس أبو عنتر الذي يزن أكثر من مئة كليو على صدري، فقد كانت مهمته تثبيتي، في الوقت الذي كان فيه أبو الوليد يقوم بصب الماء من إبريق بلاستك في أنفي، في حين كان يدوس المدعو أبو رشدي بحذائه على بطني.
كانت عضلات بطني قوية جداً، ولي صور على شاطئ بحر خان يونس تثبت أنني كنت أعمل حركة الجسر، وأرفع على عضلات بطني خمسة رجال بأوزان ثقيلة، ولكن للعضلات قدرة تحمل، فعضلات البطن التي اشتدت، وحملت المحقق لفترة من الزمن بسهولة، بدأت تضعف، وتتهاوى، حتى ارتخت تحت ثقل جسد المحقق، فصار حذاءه يغوص في أحشائي، وقد أوجعني، وأنا أحس بحذائه يلامس العمود الفقري في ظهري.
كان الوجع في ثلاثة مواضع، الموضع لأول والأهم كان محاولة جلب النفس بكل قوة، والتهرب من الماء المنصب من الإبريق في أنفي، والثاني كان كيفية رفع جسدي وجسد المحقق عن ذراعي اللتين كانتا تحتي، وكانت الكلبشة الأمريكي تطبق عليهما أكثر كلما ازداد الوزن، والموضع الثالث صار في أحشائي التي تتمزق تحت حذاء المجرم.
تحت هذا العذاب؛ كنت استحضر شخصية بلال بن رباح مع كفار قريش، رغم جنوحي لليسار في تلك الفترة، فأنا سليل الثقافة الإسلامية، وعقلي يردد: هذا هو يوم النكبة، نكبة شعب في الشتات، ونكبة سجين تحت التعذيب، كنت أقول لنفسي: أنا صاحب قضية، وصاحب وطن، وصاحب حق، لن أبيع وطني وكرامتي مقابل تخفيف العذاب عن جسدي، لن أكون الثغرة التي يتسلل منها الأعداء، لن انهزم بعد ثمانية أيام من الصمود وتحمل العذاب.
لا أعرف كم من الوقت بقيت على هذه الحالة، ولكنني أعرف أنني تنفست الصعداء حين جرني السجان مساء اليوم للشبح في الماسورة، لقد كنت بين الحياة والموت.
في الليل، فتشت عن الثقب في الكيس، كي أعيد توازن نفسي، فعرفت أن سجيناً آخر مربوط معي في الماسورة، وعرفت منه أنه من عائلة "أبو عون" من رفح، التقيت به بعد خروجي من السجن، وهو أخ النائب عبد ربه أبو عون، وقد كان مشبوحاً مثلي في تلك الليلة، وكان يئن من الظمأ كما قال لي، يريد أن يشرب ماءً.
نسيت نفسي وأنا أسمع أنينه، فما زالت قوياً، وما زال جسدي يتميز باللياقة، بحيث اتكأت على مرفقي المشدود إلى الماسورة، ووقف على ساق واحدة، ومددت ساقي الأخرى إلى الحنفية الموجودة فوق المغسلة، وفتحتها بقدمي، ووضعت أصبع رجلي على مكان انسياب الماء، ورحت أرش الماء على زميلي في الشبح، لعل وعسى تسقط عليه بعض القطرات، فتبلل ريقه.

