أخبار » مقالات

عندما وقعت في كمين الطعام

17 أيلول / مايو 2014 07:59

لا أعرف حتى صباح يوم الخميس 16/5/ إن كنت قد أكلت، أو شربت، أو قضيت حاجة، كان تفكيري ينصب على اجتياز مرحلة العذاب دون اعتراف، وفي ذلك اليوم مرت ساعات الصباح وأنا مربوط بالمواسير، فلم يطلبني أحد لا للتحقيق ولا للتعذيب، وفي تقديري أن هذه الحالة من السكون كانت السبب في شعوري بالجوع.

جوع شديد يستنفر خلايا جسدي فأشتهي، وأتذكر الطعام، ما ألذ الطعام! متى يتذكرني السجان؟ متى يجرني من الكيس إلى حيث الطنجرة؟ متى؟

وكانت المفاجأة بعد الظهر، حين فك السجان يدي، وأخذني حتى مدخل الدرج، المكان الذي يضع فيه العمال الطعام، وكانت المفاجأة حين رفع الكيس عن رأسي، وقال: لتأكل بسرعة.

كانت الطنجرة كبيرة، وكان نصفها رز مفلفل، وفوق الرز قطع صغيرة من صدر الدجاج، ربما كان في الطنجرة عشرون قطعة أو يزيد.

وبدون أن أدري، وبلهفة، صرت أضع قطعة من لحم الدجاج على كبشة من الرز، وألتهم بسرعة، وعيني لا تفارق السجان الذي جلس على الكرسي بعيداً، يتحفز لوضع القيود في يدي، لذلك صرت أسابق الزمن، وأنا ألقي بالطعام في جوفي سريعاً، حتى انتهت دقائق الطعام، فجاء السجان، وألقى نظرة على الطنجرة، وصرخ: يا مجنون، أكلت أكل عشرين سجيناً!
وبدل أن يربطني في الماسورة، أخذني إلى غرفة المحققين، وأخبرهم بما تم، فكانت فرصتهم لينقضوا على إحشائي بالركل والضرب، وهم يهددون بإخراج الطعام من أحشائي بالقوة، لقد كنت واقعاً تحت وجعين، وجع تعذيب المحققين النازل على جسدي، ووجع تأنيب الضمير، إذ كيف أعتدي على طعام سجناء، هم بحاجة إلى الطعام؟
لم أكن أعرف أن كل قطعة صغيرة من لحم الدجاج مخصصة لسجين، ولم أكن أعرف أن امتلاء البطن نقطة ضعف في التحقيق، لقد تعلمت درساً، حين أخرجني السجان من غرفة المحققين أجرر ساقي، ليطلب مني الجلوس في صالة التحقيق ووجهي للحائط.
دقائق معدودة تمكنت خلالها من قرض الكيس، وفتح ثقب قريب من عيني، ورحت أراقب ما يجري من حولي، لقد رأيت أكثر من عشرين سجيناً يجلسون مثلي في الصالة، أيديهم مربوطة من الخلف، يغطي رأس كل منهم كيس، ووجوه الجميع مثبتة على الحائط.
في تلك اللحظات نظرت إلى قدمي، فارتعبت من حجمها، إنها منتفختان جداً، إنهما مثل خف جمل، أعاود النظر إلى قدمي من ثقب الكيس، ولا أصدق أن هاتين القدمين لي، نعم، الآن أدركت لماذا كنت أشعر أنني أدوس على كومة من القطن حين كنت أمشي.
لم أكن أعرف في تلك الليلة أن عمودي الفقري كان مستهدفاً، ولكنني شعرت بجلبة خلف ظهري، وأحسست بيد السجان وهو يرفع الثوب بين كتفي، ويضع قطعاً من الثلج، تنساب حتى أسفل الظهر، في البداية حسبت أن السجان يسلي نفسه، فاحتملت، ولكن حين عاود وضع قطع الثلج من جديد، أدركت أنني أقيم في ثلاجة تمتص حرارة جسدي بالتدريج، لقد ارتجفت من البرد، وازدادت الرجفة مع كل كومة ثلج يضعها فوق ظهري فتذوب، وتنز تحتي، حتى صرت أقعد فوق بركة من الماء، بشكل يوحي بأنني قد بلت على نفسي .
ظل السجان يجلب الثلج ويدخله بين كتفي حتى اقترب الفجر، وقتها انتهت كمية الثلج الموجود في ثلاجات السجن، هذا ما أخبرني فيه السجين سمير سلامة رحمه الله، حين قال بعد ذلك على مسمع من السجناء: ليلة كاملة وهم يضعون الثلج في ظهر هذا الرجل، وعند الفجر سمعت السجان يقول لزميله بالعبرية: لقد خلص الثلج من السجن!.
يتبع

متعلقات
انشر عبر
إستطلاع للرأي
جاري التصويت ...
ما مدى رضاك عن أداء المؤسسات الحكومية بشكل عام؟