يشتكي أهلنا في الضفة الغربية من استمرار عمليات الاعتقال السياسي ضد أبناء حماس ، وضد معارضي السلطة. الشكوى المتجددة في كل يوم بعد توقيع اتفاق الشاطئ للمصالحة ذات مغزى مختلف عن سابقاتها. المشتكون ومنهم نواب في المجلس التشريعي يرون أن الاعتقالات لم تتراجع بعد المصالحة، وأنهم لم يلمسوا آثارها، وأنها تتم بالتعليمات الأمنية نفسها وكأن شيئا لم يحدث، رغم الحديث المتكرر عن قرب الإعلان عن حكومة المصالحة.
النائب الثاني لرئيس المجلس التشريعي حسن خريشة وقف أمام ظاهر الاعتقال السياسي المستمرة ووضع النقاط على الحروف، بقوله: ( إن قرارا واضحا وصريحا من الرئيس محمود عباس يمكنه وحده وقف الاعتقالات السياسية) . وهذا يعني أن تعليمات رئيس السلطة للأجهزة الأمنية لم تتغير بعد توقيع اتفاق الشاطئ، وهذا وحده يفسر عمليات الاعتقال اليومية، وبصفة خاصة تلك التي طالت المتظاهرين ضد النكبة، والمتضامنين مع الأسرى.
سميرة الحلايقة النائب في المجلس التشريعي رأت في تصريح لها لقدس برس أن قادة الأجهزة الأمنية يعملون ضد المصالحة، ويريدون فرض أجندتهم ومصالحهم على أطراف المصالحة، وعبرت عن خشيتها المستقبلية حيث يكون وظيفتها ووظيفة غيرها هو تقديم تقارير عن الاعتقالات لمؤسسات حقوق الإنسان.
لا يبدو أن اتفاق الشاطئ الأخير يحظى بشعبية كبيرة بين أبناء التيار الإسلامي في الضفة الغربية لا كرها في المصالحة، بل لأنهم لم يلمسوا آثارها الإيجابية، ولم تنفذ السلطة وعدها بتخفيف الإجراءات القمعية، وتهيئة الأجواء لإنجاز مصالحة تحظى بشعبية تجعلها قابلة للصمود والدوام.
كيف يمكن أن نصنع مصالحة قابلة للدوام ؟ الأمر بأيدي أصحاب القرار التنفيذي. الكلمات الطيبة جيدة، ولكن الأجود هو القرارات المسئولة. المصالحة تبدأ بصفحة بيضاء السطر الأول فيها بعد البسملة والتوكل على الله، هو إطلاق سراح جميع المعتقلين السياسيين، ووقف الملاحقات الأمنية، ونشر الحريات أمام المعارضة الاسلامية وغير الإسلامية.
لقد تعودنا على إنكار المسئولين لوجود اعتقالات سياسية، وهو إنكار غير مجد، لأن الواقع أبلغ في الإثبات. ومن علامات الاعتقال السياسي بقاء مؤسسات التيار الإسلامي مغلقة، وبقاء مظاهر الانقسام بلا معالجة.
المتربصون بالمصالحة عديدون، بعضهم محلي، وبعضهم إقليمي، وبعضهم دولي، وهم قد يلتقون على هدف الإفشال وإن تعددت الأسباب ووجهات النظر، أضف الى أن البيئة التي تحيط بالمصالحة ليست بيئة جيدة، وأن طريق المصالحة طويل وتفاصيله عديدة، والشياطين تكمن في التفاصيل، والوضع الفلسطيني نفسه هش وضعيف، والوضع العربي يواجه رياح سموم قاتلة. لذا فإن وقف الاعتقالات السياسية ليس ترفا فكريا، بل هو حصانة مبدئية لواقع فلسطيني هش وضعيف.

