الرأي – دينـا فروانـة :
لم يكن بيان مجلس الشؤون الخارجية للاتحاد الأوروبي بشأن اتفاق تنفيذ المصالحة الفلسطينية مستغرباً, فغيرة الكثير من الجهات الإقليمية والدولية لعبت ذات الدور, لكن الداعي إلى التوقف هذه المرة قيام الاتحاد الأوروبي بتنصيب نفسه ممثلاً عن جموع الفلسطينيين "يُقرر ويختار", حينما أورد في بيانه عقب اجتماع لمجلس الشؤون الخارجية في بروكسل الثلاثاء الماضي بضرورة أن يبقى الرئيس عباس مسئولاً بالكامل عن عملية التفاوض مع بقائه مخولاً بالتفاوض نيابة عن كل الفلسطينيين _ وإن كان هذا الأمر يعارضه غالبية كبيرة من الشعب.
ولقد اشترط الاتحاد الأوروبي خلال بيانه استمرار مواصلة تقديم المساعدات المالية المباشرة للحكومة الفلسطينية المحتمل تشكيلها بأن تلتزم بتحقيق حل قائم على دولتين, وقبول الالتزامات والاتفاقيات المبرمة سابقاً بما فيها حق "إسرائيل" بالوجود, إضافة إلى تمسك الحكومة بمبدأ "اللاعنف".
وأشار الاتحاد إلى أنه سيستند في انخراطه مع الحكومة المقبلة بناءً على تقيدها بالسياسات والالتزامات المذكورة.
تدخل سافر
المستشار السياسي لرئيس الوزراء يوسف رزقة، أوضح أنّ بيان الاتحاد الأوربي يعتبر تدخلاً سافراً في الشأن الفلسطيني الداخلي من منطق القدرة المالية والسياسية، والذي يكشف حجم انحياز الاتحاد إلى الرؤية "الإسرائيلية", قائلاً :"الاتحاد يتعامل مع دولة الاحتلال دون شروط تذكر, وفي المقابل يضع اشتراطات على الحكومة القادمة".
وتابع : "هذه الشروط نفسها التي تضعها الاحتلال الصهيوني على رئيس السلطة محمود عباس؛ لكي يوجّه الاتحاد السياسة الداخلية للسلطة ويجعلها خاضعة للإرادة "الإسرائيلية" من خلال استغلال حاجة الجانب الفلسطيني للمال".
وشدد رزقة على ضرورة أن يقوم الطرف الفلسطيني بتقوية موقفه الداخلي؛ لمواجهة كافة التحديات والضغوطات التي يتعرض لها من كافة الأطراف, موضحاً أن الاتحاد الأوروبي يمارس دوراً عنصرياً مزدوجاً في التعامل مع العرب والفلسطينيين، وتسود علاقاته حالة من النفاق والتبعية للولايات المتحدة الأمريكية ولدولة الاحتلال.
ولفت رزقة إلى أن الحكومة القادمة لن تكون حكومة سياسية كما في اتفاقيات القاهرة، إنما حكومة أعمال محددة للتمهيد للانتخابات وإجراء المصالحة المجتمعية وإزالة الانقسام وغيرها من القضايا, مستدركاً: "إذا استجابت الحكومة المقبلة إلى الشروط الأوروبية المجحفة، تكون قد فقدت مشروعيتها لدى عدد كبير من قطاعات الشعب الفلسطيني الذين تقبلوا المصالحة على قواعد صالحة ومعلومة, وهي أن الحكومة إدارية وليست سياسية".
ونوه إلى أن الحكومة القادمة ستكون تحت رقابة مجتمعية شديدة من الفصائل والقوى الشعبية, وستكون أمام خيارين إما الذهاب للمسلك السياسي، الذي أثبت فشله في الفترة الماضية خلال الجولات الأخيرة مع كيري, أو الانحياز إلى الرؤية الشعبية الغالبة التي تقول لا اعتراف بدولة الاحتلال.
حسابات المصلحة
من جانبه, انتقد رئيس المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان،رامي عبده بيان مجلس الشؤون الخارجية للاتحاد الأوروبي، وقال بأنه يكرّس واقع التعامل غير الديمقراطي للاتحاد, تعامله في المنطقة على أساس حسابات المصلحة وصراع الهوية بما يتناقض بشكل كبير معا لإستراتيجية الديمقراطية المفترضة التي وسم الاتحاد بها نفسه وبنى عليها خطابه منذ التأسيس, واصفاً البيان بالمحبط للغاية.
وبين عبده أن البيان الأوروبي يعكس عدم وجود تغيير في عقلية التعامل الأوروبي التي لا تحترم خيارات الشعوب؛ ففي الوقت الذي رحب فيه بفرصة إجراء انتخابات فلسطينية عامة، فإنه يؤكد على رفض الخيار الديمقراطي من خلال تكرار تأكيده على اشتراطات محددة تعكس تدخلاً واضحاً في الشأن الداخلي الفلسطيني.
وأشار إلى أن الاتحاد الأوروبي يعمل ضمن رؤية إستراتيجية قائمة على اتجاهين: الأول تطويع فصائل المقاومة الفلسطينية عبر دمجها في المسار الديمقراطي وضمان التزامها بقرارات الرباعية, والثاني هو تطبيق العقوبات الاقتصادية والحصار السياسي والمقاطعة الدبلوماسية نتيجة لفشل الاتجاه الأول.
ولفت عبده إلى أن الممارسة الفعلية للاتحاد الأوروبي أثبتت أنه يقاد باعتبارات المصلحة والهوية، بدلاً من أن يقاد بالقيم والمبادئ التي بني عليها الخطاب الأوروبي.
شروط الرباعية
بدوره, أوضح المحلل السياسي وأستاذ العلوم السياسية في جامعة النجاح الوطنية، عبد الستار قاسم أن الاتحاد الأوروبي يريد انتخابات فلسطينية تتماشى مع مصالحه وليست مع إرادة الشعب الفلسطيني, مضيفاً: "الشروط التي يتحدث عنها الاتحاد هي شروط الرباعية التي حاول أن يفرضها على حماس في السابق".
ونوه إلى أن تدخلات الاتحاد الأوروبي وتعامله بازدواجية مع الفلسطينيين من شأنه تقييد عمل الحكومة القادمة إذا شُكّلت حسب قوله, مشيراً إلى أن الحكومة لا تملك أمرها لذلك هي لا تقرر وستنفذ ما تتوافق عليه حركتا فتح وحماس.
وطالب قاسم رئيس السلطة برفض الشروط الأوروبية والانحياز لخيار الشعب, وإغلاق كافة الأبواب أمام التدخلات الخارجية.
ولفت إلى أن الاتحاد الأوروبي ليس مستقلاً في قراراته بما يتعلق بقضايا المنطقة, وهو خاضع للضغوط والاشتراطات الأمريكية والإسرائيلية خاصة فيما يتعلق بفلسطين.

