كنت معصوب العينيين ومقيداً من الخلف حين صعدت إلى عربة الترحيلات، وكان علي الانبطاح على بطني فوق أرضية العربة، وتحمل حرارة الجو في ذلك اليوم، وتحمل النار التي تشع من المحرك، وتلفح وجهي، كنت أحرك نفسي يميناً ويساراً قدر المستطاع، كي أخفف متفادياً للحريق الذيي يشتعل بجسدي، لقد اكتشفت في تلك اللحظة جسداً ملقى بجواري على أرضية العربة، فبادرته بذكر اسمي، وسألته: من أنت؟
قال: أنا جمال أبو عامر، فسألته: هل أنت ابن الأستاذ عامر أبو عامر، فأجاب: نعم، وانتهى الحديث بيننا، ولاسيما أن كلاً منا غارق في أوجاعه، وخائف من المجهول، لقد أشفقت عليه مثلما أشفقت على نفسي من هذه الرحلة الغامضة.
في هذا الجو الخانق المخيف لا أعرف أين أنزل المحققون جمال أبو عامر، ولكنني عرفت بعد ساعات طويلة من السفر أنني موجود في زنازين سجن جنين، شمال الضفة الغربية، وقد رفع السجان الكيس عن رأسي، وفك قيودي، وأعطاني بطانية ومكنسة، وقال لي: نظف هذا المرحاض، ستقيم هنا في هذا المكان.
كان عرض المرحاض متراً واحداً، وكان طوله مترين، وفيه حفرة لقضاء الحاجة، لم يكن فيه كرسي، وكان علي أن أنظفه جيداً طالما صار غرفة نومي الإجبارية، لقد قمت بفرد البطانية كي تغطي ثقب المرحاض، وتمددت بعد أن أغلق السجان الباب، وبعد أن أعطاني أربع سجائر، هي نصيبي اليومي، وأشعل لي إحداها، لقد كنت جائعاً وتعباً ومرهقاً وقلقاً، ولم أشعر بقذارة المكان بمقدار ما شعرت أنني بحاجة لأن أمدد ظهري، وأغيب عن الوجود في نوم عميق.
عند فجر يوم السبت 24/5 أيقظني السجان من النوم الهانئ، وطلب مني أخذ البطانية والخروج من المرحاض، ومرافقته حتى درج السجن، هنالك فتح بوابة مخزن صغير تحت الدرج، وطلب مني حشر نفسي في الداخل، ففعلت، وأغلق علي البوابة، لأجد نفسي في ظلام دامس مع مجموعة من الكراتين المغلقة، فقعدت علي كرتونه.
دقائق، كانت يدي تفتش في الكراتين، فعثرت فيها على علب سجائر، ودون تفكير، رحت أحشو جيوب ملابس السجن بعلب السجائر، وانتظرت قرابة ساعتين حين عاد السجان، وفتح بوابة المخزن، وأخذني إلى المرحاض ذاته ثانية، وطلب مني تنظيفه، فقد صار غرفة نومي كل الوقت الذي لا يقضي فيه المقيمين في زنازين سجن جنين حاجتهم.
ولما كان السجناء في زنازين سجن جنين يقضون حاجتهم في المرحاض مرتين في اليوم، فقد تكرر أخذي للمخزن ثانية بعد العصر، ولكنني في هذه المرة دخلت المخزن بعد أن طلبت من السجان أن يشعل لي سيجارة، فقد كنت مدمناً على التدخين في ذلك الوقت.
حين عاد السجان بعد ساعتين، وفتح باب المخزن، اندهش، وصرخ حين رأي غيمة من دخان السجائر تغطي المكان، فقال: يا مجنون، كيف لم تختنق في داخل المخزن.
في صباح يوم الأحد 25/ 5 بعد مبيت ليلتين في المرحاض، أدخلني السجان إلى غرفة فيها سجناء عرب، لقد أدركت من اللحظة الأولى أنها غرفة العصافير، غرفة للعملاء.
ملاحظة: جمال أبو عامر (أبو الصادق) يسكن حي الأمل في خان يونس، كان محسوباً على تنظيم الجبهة الشعبية في ذلك الزمان، وهو اليوم من قيادي حركة حماس.

