لم تنجح مفاوضات التصفية، التي رعاها جون كيري لأن الطرف الصهيوني يصرّ على إنفاذ رؤيته في عملية التصفية النهائية للقضية الفلسطينية. إن مطالب نيتنياهو لا يستطيع أن يوافق عليها لا عباس ولا غيره، ومع ذلك فإن نيتنياهو ما زال يصرّ على تحقيق أهدافه، ومن ثم يمكننا رصد محاور في هذا الاتجاه كما تبدو في تصريحات قادة الاحتلال ووسائله الإعلامية.
المحور الأول- ويتشكل من إجراءات غير متكاملة للبحث عن مفاوضين غير عباس يمكنهم تفهم الموقف الإسرائيلي والتوقيع على اتفاق تصفية. قد تكون هذه لإجراءات نوعا من المناورة، التي تستهدف الابتزاز، وقد تكون جزاء من حقيقية، ومن حلّ بديل يتبناه نيتنياهو في مواجهة الانتقادات الداخلية، والخارجية، التي تحمّله ّمسئولية فشل مهمة جون كيري، ودخول الملف في أزمة ، وفي حالة تجميد لفترة غير محددة.
والمحور الثاني- يتجه الي تطبيق حل أحادي الجانب بغير مفاوضات، مع تعديل على مشروع شارون القديم، بحيث يتمّ ضمّ المناطق (ج) من أراضي الضفة الغربية، وإزالة الجدار، وتثبيت حكم ذاتي مدني في بقية أراضي الضفة، مع بقاء المعابر والحدود والسيادة في يد دولة الاحتلال.
والمحور الثالث - يتجه الى الضغط على محمود عباس من خلال مصالحته مع حماس، وتقديم المصالحة للرأي العام الأميركي والغربي وكأنها مصالحة مع الإرهاب، مع إبقاء الحال في الضفة والقدس على ما هو عليه، ووقف أي تقدم حقيقي للسلطة، و تعزيز الاستيطان، واستكمال القوانين العنصرية التي تمنع العودة الى حدود ١٩٦٧م.
إن البيئة التي نتجت عن أزمة المفاوضات، هي حالة طبيعية لأزمة أشد تلفّ المنطقة العربية كلها، وهي تلتقي مع حالة تبدل الأولويات عند الإدارة الأميركية، حيث تراجعت القضية الفلسطينية، أمام قضايا أوكرانيا وإيران. لقد قررت الإدارة الأميركية معاقبة الطرفين من خلال إهمال الملف لفترة غير محددة، ومن خلال عودة انديك إلى عمله السابق.
هذا الطقس الذي يتشكل من الموقف الأميركي، ومن الموقف الصهيوني بمحاوره يستهدف تحقيق اتفاق التصفية من خلال عباس أو غيره، مع إبداء عدم مبالاة بالوقت؛ لأنه يعمل لصالح الاستيطان وفرض الأمر الواقع، الذي يستهدف القضاء العملي على ما يسمى بحل الدولتين. إن هذا الطقس السياسي لا يخفى على عباس وغيره، بل ربما يمتلك هو معلومات أغنى وأدق في هذا الباب، ولكن المؤسف أنه يقيّد القرار الفلسطيني بخضوعه لحالة الضعف والأزمة التي وضعتنا فيها السلطة القائمة على الإعانات والمنح والمال السياسي، ولو فكّر عباس بكسر قيوده الذاتية والخارجية لوجد في الشعب قوة تدفع سيناريوهات التصفية، وتفرض على الميدان حلا وطنيا، يجعل الاحتلال مكلفا، ويجعل الخلاص منه مطلبا إسرائيليا داخليا. نريد من عباس وغيره مواجهة استراتيجية الاحتلال بكسر القيود الذاتية فقط، الآن وقبل فوات الآوان.

