بالأمس كانت الذكرى رقم (٤٧) لهزيمة الأيام الستة ١٩٦٧م. لم تقف مخرجات الهزيمة عند احتلال بقية فلسطين، وسيناء والجولان. أو عند تراجع النظام العربي عن تحرير فلسطين. أو عند تحميل عبء السنوات القادمة للفلسطينيين تحت مسمى ( م ت ف) الممثل الشرعي والوحيد. أو عند انهيار الخيار العسكري، وسقوط مقولة : (ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة) . وكل هذه المخرجات هي من الكليات الكبيرة في ذاتها وفي تداعياتها، ولكن من أهم هذه المخرجات التي أود التوقف عندها في هذا المقال، هو تبني الولايات المتحدة الأميركية لاسرائيل بعد تحقيقها النصر الخاطف على الجيوش العربية.
يعلم أهلنا الذين عاشوا أيام حرب الأيام الستة، أن دولة الاحتلال اعتمدت في بناء قوتها العسكرية قبل ٦٧ على فرنسا وبريطانيا، وأذكر أن طائرات (الميستير، والميراج) ، فرنسية الصنع، كانت القوة الرئيسة التي دمرت المطارات والطائرات المصرية والعربية، وبعد انتهاء الحرب ارتفعت مبيعات فرنسا من طائرات الميراج بعد أن أثبتت الطائرات تفوقها في المعركة.
لم يكن حضور السلاح الأميركي واضحا،أو كبيرا، في حرب67 ، وكان الدور السياسي لواشنطن في الصراع تاليا للدور الأوربي، والسبب في ذلك أن واشنطن كانت تنظر بقلق لقدرة اسرائيل على البقاء، وهذا يذكرنا بالحالة الشعبوية، والإعلامية، والوجدانية، التي صنعتها مصر تحديدا، عن زوال اسرائيل، وهي الحالة التي خدرت الشعب الفلسطيني، والشعوب العربية.
بعد أن أثبتت اسرائيل قدرتها، وتفوقها، وحنكتها السياسية والعسكرية، قررت واشنطن تغيير سياستها، وتبني دولة الاحتلال، والحلول محل أوربا في دعمها والدفاع عن وجودها، فكان هذا التحول أكبر نصر للقيادة الصهيونية، وكان أكبر مخرجات حرب ٦٧ أثرا في عملية الصراع، ومن ذلك اليوم صار ملف الصراع مع دولة الاحتلال ملفا أميركيا، بحسب ما خططت اسرائيل له قبل الحرب، وبعدها، وصارت واشنطن العدو الرئيس الذي يناهض الرؤية الفلسطينية والعربية، وينشر مظلته الأمنية والعسكرية والسياسية لحماية اسرائيل والدفاع عن رؤيتها للحل. وتحولت اسرائيل من الميراج الى الفانتوم، والى الشبح الأميركي، والي الباتريوت.
( النصر يجلب نصرا، والهزيمة تجلب هزيمة) ، وكان نصرا اسرائيل في واشنطن، أعظم من انتصارها في حرب الأيام الستة، وكانت هزيمة القادة العرب في واشنطن وعلى المستوى الدولي، أسوأ من هزيمتهم في الحرب المذكورة، وكانت خسائر الفلسطينيين بعد ٦٧ تتفوق على مجموع خسائرهم قبلها، بما فيها ١٩٤٨. فقبل ٦٧ كنا نتحدث عن تحرير فلسطين المحتلة، وبعد ٦٧ نحن نتحدث عن أقل من ٢٢٪ من فلسطين، مع اعتراف بالمحتل. اسرائيل تحولت من الميراج الى الشبح، وتحولت فلسطين من العمل الفدائي إلى التنسيق الأمني.
لقد بنت هزيمة ٦٧ اسرائيل في المستويات كافة، وزودتها بملايين المهاجرين اليهود، بعد أن بدد النصر قلقهم، ولعل أهم تحول في عملية البناء القوي والسريع كان في دخول اميركا الى تل أبيب، ودخول تل أبيب الى واشنطن على نحو غير مسبوق، وها نحن ندفع، للأسف، ثمن هزيمة صنعها مغامرون قاتلوا العدو في الإعلام ولم يقاتلوه في الميدان، ثم ها هم يمنون علينا وعلى فلسطين رغم أنهم كانوا سسب هزيمتنا، وسبب ما نحن فيه.

