كنت مقيداً من الخلف، وكان رأسي مغطى بأكثر من كيس، وأنا أجلس في شبه غيبوبة على أرض المسلخ، أمدد رجلي اليمين مرة، وأثني رجلي الشمال مرة أخرى، كنت مرهقاً وحزيناً حين سمعت في ذلك الصباح من يوم الأربعاء 19/6، سمعت من بعيد صوت: الله أكبر الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر الله أكبر الله أكبر، ولله الحمد.
لقد هزني الصوت من الأعماق، وارتجف جسدي حنيناً وحناناً
، إنها تكبيرات عيد الفطر، والعيد ينبوع الشجن، حين تنتقل روح الغريب والأسير والمريض لتسكن في المكان المحبب إليها، وفي العيد يتفجر الشوق للمحبين، فكيف بالذي يرفل بالقيود، وينتظر المجهول، وقد عبر عليه شهر رمضان بكامله، وهو تحت العذاب الشديد.
لم أكن أعرف ما ينتظرني في ذلك اليوم بعد 43 وأربعين يوماً من الشبح والركل والخنق والضرب، كنت أحس برغبة شديدة في أن أمدد جسدي على الأرض، وأن أنام ولو قليلاً ممدداً، 43 يوماً يمر في خاطري منظر السرير، والفرشة، والهدوء، ما أهنأ النوم على مخدة!.
بدأ التحقيق في ذلك اليوم بعد صلاة العيد، بدأ تحقيق عنيف ينم على أن المحقق لديه معلومات، ولكنه يتحفظ على الشهود، لا يريد أن يكشف أوراقه، وأن يفضح مصدر معلوماته، فكان التحقيق عنيفاً، وكنت في ذلك اليوم من عيد الفطر مستفزاً حانقاً بائساً وليس يائساً.
بدأ التحقيق الذي يعرفه جسدي، فقد كنت ممدداً على الأرض، ويداي مقيدتان بالكلبشة الإنجليزي تحت جسدي، وعدة أجساد لمحققين تتثاقل فوق جسدي، أحدهم يخنق بالكيس، وآخر يصعد على صدري، ويهودي آخر يدوس بحذائه الثقيلة على عنقي، وآخر يكتم أنفاسي بالبشكير المبلل بالماء، وصوت يتسلل وسط هذا الزحام، ويردد: اعترف، اعترف.
كنت أفتش عن الهواء، استنجد بجرعة من النفس، أتململ، وأتحرك كثور في الغابة من تحت أجساد الوحوش، فأشهق هواءً رغم الجميع، واسترجع حياتي، لأفقدها ثانية تحت ضغطهم، فأنا أموت، وأفقد الحياة تحت أيدي الطغاة، ولكنني لا أيأس، أحاول أن أزيح الأجساد عن صدري، فأنجح في فتح فمي لاغتصب جرعة من الهواء، ليعاودوا خنفي، وكتم أنفاسي، لأجهد ثانية في تخليص نفسي من الموت، وابتلاع جرعة هواء، هم يعصرون الموت على فمي، وأنا أقتنص لحظة حياة، إنه صراع البقاء بين جسدي الذي يتفجر حباً، وأجسادهم التي تتجبر قوة، وكانت المفاجأة، وسط هذا الصراع المميت، حين انكسرت الكلبشة، وانفلتت يداي.
حتى الآن لا أعرف كيف انكسرت الكلبشة الإنجليزية، هل هي حلاوة الروح، أم فائض قوة ظل ينتظر اللحظة الحرجة، فانفجر كالبركان. نعم، لقد كان جسدي قوياً جداً جداً قبل السجن، كنت أرفع أكثر من مائة وعشر كيلو أثقال، وكنت ألعب مصارعة، وإذا دخلت البحر سباحة أختفي عن الأعين، وكنت أقفز أكثر من خمسة متر ونصف عرضي، وكنت مدرباً لفريق كرة الطائرة في نادي خان يونس مرة، وفي نادي الخدمات مرات، وكنت في اللحظة نفسها كابتن فريق خان يونس، وكنت إذا وقفت على شاطئ البحر، يتعلق في جسدي مجموعة من الرجال تصل إلى خمسة أو أكثر من الأوزان الثقيلة، وهم على شاكلة عبد الحميد سلامة، الأخ الأكبر للأسير حسن سلامة، أما إذا رغبت في الممازحة، فقد كنت أشد الكارة التي يجرها حمار، لأوقفها عن الحركة تماماً، حتى إذا جن جنون عبد الفتاح سائق الكارة، وتعجب لوقوف حماره، وعدم قدرته على المشي رغم الضرب، كان يلتفت إلى الخلف، فيعرف أنني سبب ضعف حماره.
لقد انكسرت الكلبشة الإنجليزي وأنا بين يدي المحققين اليهود، في تلك اللحظة التي كنت أستخلص فيه الحياة من الموت، لقد انكسرت الكلبشة فتحررت يداي، لأحرر بسرعة البرق جسدي من تحت المحققين، لقد نفضتهم عني، فانطرحوا أرضاً، وبخفة عائد من الموت، رفعت الكيس عن رأسي، فرأيته ملقى على ظهره، إنه اليهودي أبو ربيع، المجرم الذي مت بين يديه عدة مرات على مدار أسابيع.
لا أعرف كيف ركبت فوقه، ولا أدري كيف أطبقت يدي القويتين حول عنقة، وخنقته لانتزع روحه، خنفته بشكل أقسى مما كان يفعل معي، لقد كنت في حالة هياج وعنف مكنتي من رؤية جحوظ عينيه، وشحوب لونه، وارتعابه وهو تحتي وأنا فوقه.
كل ما أتذكره بعد ذلك، أنني لم أتمكن من قتل المجرم، فقد رش المحققون في وجهي غازاً خدر أعصابي، وأدخلني في نوبة من السعال والعطس، إنه غاز معبأ في قلم يشبه قلم الجاف، كنت حتى تلك اللحظة أحسبه مادة منعشة للقلب، ستنقذني من الموت في اللحظات الأخيرة، وكنت استمد من وجوده في جيب المحقق قوة.
لقد امتدت إلى جسدي أيدٍ كثيرة، التفت حول ظهري وعنقي ورأسي وأرجلي، فوجدت نفسي محاصراً، بعد أن تمكنوا من وضع كلبشة جديدة في يدي، ليتواصل في يوم العيد التحقيق.

