ملفات خاصة » ملفات خاصة

ربيع يروي قصته .. الاحتلال يقتلني مرتين

13 آب / يوليو 2014 11:37

رفح – الرأي - ربيع أحمد أبونقيرة:

ليس من الممكن أن أنسى ما حصل؛ فقدت الوالد والبيت -الجمل بما حمل-، ولكن يجب ألا أفقد العزيمة والإصرار على مواصلة الطريق"، لسان حالي عقب حرب الاحتلال الإسرائيلي على قطاع غزة عام 2012.

فخلالها وتحديدا بتاريخ 17/12/2012 دمرت طائرات الاحتلال الإسرائيلي الحربية منزلنا المتواضع لتحيله إلى ركام، متجاهلة كل الضحكات والكلمات والهمسات والجلسات الهادئة بين جنباته.

كانت ليلة صعبة للغاية، فقد قصف الاحتلال المنطقة والمنازل المجاورة أربعة صواريخ تحذيرية بطائرات بدون طيار، وهي دلالة على شدة قصف صاروخ الـ "إف 16" الخامس والذي أحال مربع سكني مكون من 9 منازل لركام إضافة إلى تعرض المنازل المجاورة لتدمير جزئي.

ما إن سقط الصاروخ "التحذيري" -كما يصفه الاحتلال- الأول حتى هرع جميع السكان في المنطقة على صوته هاربين من منازلهم، أطفالا ونساءً ومسنين، كلٌ يريد أن ينجو من موت محقق؛ لكنه في نفس الوقت يحرص في مشهد هستيري -بالصراخ أو الاتصال- التأكد من أن الجميع خرج من منزله حتى لا يصيبه ضرر.

ورغم أن الجميع يدرك أن صاروخا حربيا سوف يسقط على المنطقة، إلا أنهم لم يبتعدوا سوى عشرات الأمتار ووقفوا يرقبونه ويصورونه بهواتفهم المحمولة، أما أنا فكنت معهم أترقب بكاميرتي الصغيرة كوني أعمل في مجال الإعلام؛ لكن رجفة أصابت جسدي ولم أستطع مواصلة التصوير، وبدأ القلب ينبض بقوة، وبدى شريط ذكريات حياتي في ذلك المنزل يسير بسرعة كبيرة في مخيلتي.

ألقت طائرات الاحتلال صاروخا ثان وثالث ورابع، وبين كل صاروخ والذي يليه يزداد نبض قلبي يرافقه رجفة وقشعريرة في أنحاء جسدي، وأخيرا أسقطت الطائرات الحربية الإسرائيلية صاروخا خامسا حوّل المنطقة إلى دمار وزرع فيها الخراب، وغيّب سنوات جميلة عشتها مع عائلتي في ذلك المنزل.

كنت أعتقد أن فقدان المنزل "حدثا جلل" أحتاج عقبه بعض المواساة، لكن لم يخطر ببالي أنني سأفقد شيئا أعز بكثير على قلبي، وسيحطم أحلاما كانت تراودني، وسيزول بموجبه سند ظهري، إنه والدي "أحمد" ذو الـ 60 عاما قضاها في رسم وبناء مستقبلي ومستقبل أشقائي السبعة وشقيقتاي.

ففي صباح ليلة قصف المنزل, وتحديدا قبيل أذان الفجر أسقطت طائرات الاحتلال حممها على منزل أبناء عمي بعد تحذير سكانها وهم أربعة عائلات بصاروخ تحذيري أطلقته طائرة بدون طيار، وكانت المهلة بين الصاروخين التحذيري والتدميري أقل من خمسة دقائق، هرع خلالها النائمين إلى خارجه بما عليهم من ملابس فقط.

في تلك اللحظة، وبعد فقدان المنزل ومعاينة آثار الدمار في المنطقة، ذهبت إلى منزل أحد أصدقائي المقربين أما والدتي وأختي وأخواي فذهبوا إلى بيت أخي الأكبر، في حين لجأ والدي -رحمه الله وتقبله في سجل الشهداء- إلى خيمة قريبة ليحتمي فيها ويقضي ليلته إلى الصباح ومعاودة تفقد المنزل المدمر.

وحين يفرض الحدث نفسه في بعض المواقف يبقى للقدر نصيب, ليسمع دوي انفجار ضخم ناتج عن قصف شنته طائرة حربية إسرائيلية على المنزل، وجدنا عقبه بدقائق رجل يئن من شدة الألم وقد أصيب بحروق خطيرة في جسده بنسبة 70% وجرح عميق في نهاية رأسه، وتطاير جسده للأعلى مصطدما بحوائط البناية المقابلة حتى سقط بآخر أنفاسه أرضا من شدة قوة الصاروخ -صاروخ الأجل- .

"ذلك الرجل هو والدي"، كان يحمل في ملابسه كل ما يملك بعد المنزل "تحويشة العمر" وقطع ذهبية ورثها عن والدته، جميعها تناثرت واحترقت جراء القصف، وبذلك فقدت "الجمل بما حمل".

انتهت الحرب "حرب الأيام الثمانية، حرب حجارة السجيل" بالنصر الذي سجلته المقاومة الفلسطينية على الاحتلال بفرض شروطها عليه، ومضت بي الحياة حتى تخرجت من الجامعة الإسلامية بغزة، وحصلت على فرصة تدريب ثم تطوع ثم عمل بالقطعة لأبدأ حياتي المهنية، وقدر الله أن أعقد قراني على "آيات" ابنة الأكاديمي في الجامعة الإسلامية الدكتور أيمن أبو نقيرة.

لم تستطع عائلتي بناء منزل بدلا من منزلنا الذي قصفه الاحتلال بسبب الحصار وشح مواد البناء خاصة مادة الإسمنت، لذلك توافقت مع عمي بالنسب "أبو عبد الرحمن" أن أسكن في شقة بمنزله حتى يأتينا فرج الله.

بدأنا بتجهيز الشقة بعناء شديد في ظل شح مواد البناء وكدنا أن نضع اللمسات الأخيرة عليها وتعفيشها بغرفة النوم وأدوات المطبخ، وبدأت المشاورات لتحديد موعد بالزفاف وحجز صالة لذلك بعد عيد الفطر المبارك؛ لكن الاحتلال أسقط حممه النارية مجددا على منزلي الثاني في هذه الحرب -العصف المأكول- المستمرة على قطاع غزة لليوم السادس على التوالي، ليصبح كومة من الحجارة ويبدد بذلك حلم اسمه "الزواج".

أما الآن فـ"الحال يغني عن السؤال"، حيرة تملأ القلب وأحلام تتبدد وشعور بالتوهان، ووجع السنين ينهش المستقبل، حتى أن الصورة تبدو قاتمة.

يذكر أنه أثناء كتابة ما سبق، كان على وقع إغارة الطائرات الحربية الإسرائيلية بين الحين والآخر على أهداف متفرقة في محافظة رفح جنوبي قطاع غزة، ويسمع أصوات انفجارات عالية ومخيفة.

متعلقات
انشر عبر
إستطلاع للرأي
جاري التصويت ...
ما مدى رضاك عن أداء المؤسسات الحكومية بشكل عام؟