ملفات خاصة » ملفات خاصة

رغم استمرار العدوان "الإسرائيلي"

الباعة المتجولون يبيعون أرواحهم لطلب أرزاقهم!

18 آب / يوليو 2014 03:27

غزة – الرأي - دعاء عمار :

بشرته سمراء ذهبية، صبغتها شمس غزة في ساعة الظهيرة لكثرة ما تكرر وقوفه بين يديها، أملا في بعض الشواكل كي يعيل أسرته الكبيرة على صغر سنه، شعره أشقر بشكل يخالف لون بشرته التي على ما يبدو لم يكن هذا لونها لولا اعتياده السير في الشوارع نهارا، يحمل في يده بعض الحلوى، ينادي عليها ويمدها أمام من يمر بجوارهم فيقول "الاثنين بشيكل".

كان ذلك طفل استغربت لوجوده في ساحة مستشفى الشفاء في ظل تسارع وتيرة القصف وكثرة الشهداء، فسألته "ما اسمك؟" قال "آدم"، عدت لسؤاله "وماذا تفعل يا آدم في هذا الوقت، ألا تسمع صوت القصف!"، فأجاب "لازم أبيع حتى أقدر أشتري أغراض للبيت". فآدم هو المعيل الوحيد لأسرته المكونة من عدد من الإخوة والأخوات في معسكر الشاطئ، لا أعلم أين والده لكن على ما يبدو أنه تنازل مجبرا أو مختارا عن مسئولية الأسرة لهذا الطفل الصغير، الذي لم يبد على جسده المنهك ما يدلل على سنوات عمره الاثنتي عشرة.

أصوات القصف .!

ليس "آدم" وحده من أجبرته الحاجة على الخروج تحت أصوات القصف؛ ليسير طويلا في شوارع غزة شبه الفارغة حتى أتت به قدماه إلى ساحة الشفاء كي يجد بعض الناس ليشتروا منه ما يسد رمقه وأسرته آخر النهار، فأبو مالك بائع فاكهة متجول وجدناه يبحث عن مشتر هنا أو هناك، اقتربنا منه وسألناه أيضا عما يفعله تحت هذا القصف فقال "اشتريت هذه الفاكهة من أصحابها وعلي ثمنها، فيجب أن أبيع بعضها كي أسدد ثمنه وآخذ الباقي لأطعم أطفالي وأشتري احتياجات المنزل اليومية، فلو جلست في المنزل تحت أي ظرف لما تمكنت من توفير أي من الأمور الأساسية"، وعندما سألناه عن خوفه من أجواء الحرب لم يجدها أسوأ من عدم قدرته على جلب طلبات أبنائه الأربعة والجلوس دون حيلة في المنزل، ففي النهاية الرب واحد والعمر واحد ولا حارس كالأجل.

بعضهم لم تخرجه لقمة العيش وإنما اعتياد العمل بحد ذاته، لم أسأله إذ رأيته وأنا في طريقي دون أن أستوقفه لكن لكثرة اعتيادي على رؤيته منذ سنوات يمر في حارتنا، أعلم أنه أدمن الخروج في كل المناسبات في نفس الموعد تقريبا، ذلك هو صاحب اللحية البيضاء الكثيفة والبشرة المليئة بالتجاعيد لكبر سنه، يجلس على عربته وخلفه تكومت علب بلاستيكية بيضاء بداخلها ما ينادي عليه بصوته الجهوري قائلا "كلوووور"..

استمرار للحياة

نوع آخر من الناس مضطر للخروج للحصول على الدواء اللازم والذي دونه لن تستمر الحياة بسكينة وهدوء، مرضى غسيل الكلى نموذج على ذلك، و "روان" طفلة متميزة في ابتسامتها هادئة في حديثها لا تكاد تلحظ أي قلق على محياها سواء لمرضها أم لجو الصواريخ والقصف المتصاعد من حولنا، بل حدثتنا عن قدومها بسيارة الإسعاف لاحتياجها لغسيل دم بشكل دوري كي تتمكن من المحافظة على صحتها وقدرتها على الحركة والتفاعل بشكل طبيعي مع الناس، وهنا ثار سؤال عن كيفية تمكن طواقم الإسعاف من ترتيب زيارات المرضى للمشافي في الوقت الذي تكثر فيه حالات القصف والشهداء، فأخبرنا أحد العاملين في تلك الطواقم أن التنسيق يتم بجدولة معينة للسيارات وغالبا طاقم الإسعاف على جهوزية كاملة من حيث السيارات والكادر البشري ولكن ما قد يعيقه هو نقص الوقود، وفي حالات الطوارئ الشديدة يتم استثناء بعض من يمكنهم القدوم بمفردهم ولكن بشكل عام يتم العمل وفق المخطط له مسبقا.

أما أغرب من ختمنا به يومنا في رحلة إعداد هذا التقرير، كان سائق ركبنا معه إلا أنه لم يبد باحثا عن لقمة عيشه وإنما عن "كيف"، إذ اضطره نفاذ نوع السجائر التي يدخنها إلى الخروج رغبة في "تضييع الوقت" حتى يحين موعد الإفطار، وكلما رأى بقالة على الطريق وقف يسألها عن ذلك النوع الذي يدخنه، وفي طريقه خاصم وشاتم كل من اعترضه من السائقين وحتى من المارة في الطريق.

يبدو أن شوارع غزة بها الكثير من المفارقات والغريب من الاحتياجات المهم أن كل منهم لم يعبأ بأزيز الطائرات المتنامي فوق الرؤوس ولا بأصوات القذائف بين الحين والآخر فلسان حالهم جميعا، كل يسعى على حاجته ولغزة رب يحميها.

متعلقات
انشر عبر
إستطلاع للرأي
جاري التصويت ...
ما مدى رضاك عن أداء المؤسسات الحكومية بشكل عام؟