غزة - الرأي - إبتسام مهدي :
لا يزال الغموض يُخيّــم على قرابة الــ 41 كيلو متر، والتي تعرف بــالمناطق المصنفة ضمن المناطق صعب الوصول اليها، والممتدة شرق بيت حانون شمالاً إلى رفح جنوباً.
فالخطر يرافق المزارعين في الوصول إلى أراضيهم التي تعتبر أكثر المناطق خصوبة رغم انتهاء العدوان على القطاع منذ عدة أيام.
هذه المنطقة حُرم المزارعون من الوصول إليها منذ عام 2008م، وجاء اتفاق القاهرة في نوفمبر 2012م ليقلص المسافة لــ 100 متر، مما ساهم في وصول أصحابها إليها واستصلاحها وزرعها، لكن الحرب أعادت المعاناة والحرمان من جديد وخاصة بعد إعلان الاتفاق الأخير.
صعوبة الوصول
الأمر الذي يمنع أصحاب الأراضي والمزارعون من مجرد التفكير الذهاب إلى أراضيهم؛ هو تعرضها إلى عمليات تدمير وتجريف، وأحياناً إلى قصف مدفعي وجوي ساهم في تغيير ملامحها وترك آثاراً سلبية كبيرة عليها وصعوبة استصلاحها من جديد، وتعادل هذه المناطق العازلة 25% من الأراضي الزراعية في القطاع والتي تعتبر أراض خصبة جداً، والتي تشتهر بزراعة الطماطم والبطاطا والبطيخ والشمام والبصل والتوم.
"لا أحد يستطيع الوصول إلى أرضه" بهذه الكلمات بدأ المزارع إبراهيم أبو عمرة (60 عاماً) من دير البلح حديثه، مؤكدا أن الوصول إلى الأراضي المحاذية لخط التحديد أو المنطقة العازلة يعتبر عملاً خطيراً مع إمكانية التعرض لإطلاق النار في أي لحظة.
وأضاف: "لا يقتصر الدمار الذي لحق بالقطاع الزراعي على الأراضي المحاذية لخط التحديد فقط، بل يشمل مساحات شاسعة من الأراضي التي تعرضت للتدمير المقصود"، منوهاً إلى أن ما يزيد على 30 قذيفة مازالت موجودة في أرضه التي استأجرها سابقاً في حي الجعفراوي بقرية وادي السلقا.
خسائر كبيرة
ولم يستطع المزارع أبو عمرة من قطف ثمار "الكوسا" و"الباذنجان" التي كانت مزروعة في أرضه بسبب العدوان، الذي تسبب بحدوث دمار وخسائر كبيرة.
وبعد دخول التهدئة حيز التنفيذ حاول بعض المزارعين الوصول إلى أراضيهم في المنطقة الحدودية، إلا أن قوات الاحتلال "الإسرائيلي" أطلقت النار عليهم؛ لمنعهم من الاقتراب راضيهم المتاخمة لحدود القطاع، وادعت بأنها أطلقت النيران "التحذيرية" في الهواء لدى اقتراب بعض المواطنين دون وقوع اصابات في صفوفهم.
وذكر الناشط صابر الزعانين أن المزارعين ما زالوا يترقبون بحذر وتخوف من العودة إلى أراضيهم بسبب ما حدث طيلة فترة العدوان من استهداف لأراضيهم بالبراميل المتفجرة، مؤكداً أن الوصول للمناطق الزراعية لازال غير آمن.
تعرضت للتلف
ويعيش المزارع سامي وهدان (47 عاماً) من منطقة القرارة شمال مدينة خان يونس جنوب القطاع أوضاعاً متشابهة بعد أن مُني بخسائر كبيرة ولم يستطع جني محاصيل الفلفل والباذنجان والكوسا.
وبين أنه بعد الإعلان عن وقف إطلاق النار ذهب إلى هناك ليجد أن المزروعات قد تعرضت للتلف حتى بدأ مع أبنائه بإزالتها على أمل الحصول على مساعدات مالية من الجهات المختصة لإعادة زراعتها، منوهاً إلى أنه تعرض لإطلاق عدة أعيرة نارية من قبل قوات الاحتلال جعلته يخرج برفقة أبناءه من الأرض وخشية من العودة إليها.
بدوره، ذكر الناشط في المجال الزراعي في رفح عبد الكريم أبو شنب أن هذه الفترة هي موسم الزراعة الشتوية لكن المزارعين لم يستطيعوا الوصول لأراضيهم المدمرة بسبب الغموض في الاتفاق بخصوص أراضي المزارعين على طول الشريط الحدودي، مؤكداً أن المزارعين بحاجة إلى مساعدات عاجلة كي يستطيعوا إعادة زراعة هذه المناطق.
غير صالحة!
ومن جانبها، أكدت العضو في الاتحاد العام للفلاحين في محافظة الوسطى جولييت أبو شنب من أن ما يزيد على 90% من الأراضي الزراعية تعرضت للتدمير سواء بالدبابات أو الجرافات أو عبر القصف الجوي للأراضي الزراعية، لافتةً إلى أن التدمير وصل إلى غالبية المناطق الزراعية في القطاع.
وأشارت إلى أن غالبية المزارع المحاذية لخط التحديد غير صالحة للزراعة؛ إلا بعد إعادة تسويتها وتأهيلها، مطالبةً بسرعة تنفيذ بنود الاتفاق لوصول المزارعين إلى أراضيهم وتقديم المساعدات لهم؛ لإنقاذ الموسم الزراعي القادم خاصة أن مئات الأسر تعتاش على هذا العمل.
تكاثف الجهود
مدير المركز العربي للتطوير الزراعي محسن أبو رمضان، بيّن أن الوضع الراهن الذي أعقب العدوان الإسرائيلي، استوجب وضع ترتيبات جديدة للتعامل مع القطاع الزراعي بما يلبي حقوق المزارعين الفلسطينيين ويعزز من الثوابت الوطنية وأسس التنمية المبنية على الحقوق.
وأضاف: "المركز قدم عدد من المشاريع الاغاثية والتنموية إلى عدة جهات مانحة؛ من أجل دعم صمود المزارعين الذين تعرضوا لكارثة حقيقية بسبب العدوان، واستمرار قصف الأراضي وإلحاق أضرار بالغة بالقطاع الزراعي".
وأكد أبو رمضان على أهمية وضع خطط مستقبلية من كافة الجهات المختصة، وعلى رأسها وزارة الزراعة من أجل استعادة القدرة الانتاجية على القطاع الزراعي، والعمل على طرح أفكار جديدة في مجال الضغط والمناصرة لتلبية حقوق المزارع بعد تنفيذ بنود الاتفاق.
وحول الأضرار التي تركتها آلة الدمار "الإسرائيلية" في الأراضي الزراعية بيّن مدير دائرة الإعلام في وزارة الزراعة محمد أبو عودة أن صواريخ الطائرات الحربية تسببت في حفر الأراضي الزراعية بعمق يصل إلى حوالي 5 إلى 10 متر، وهي تحتاج إلى استصلاح عن طريق عمليه التسوية.
تدميرٌ كبير
وأكد أن الاستهداف تسبب في قلع الأشجار وإتلاف في شبكات الري وتدمير آبار المياه، وتسمم الخزان الجوفي بالمواد المستخدمة في الصواريخ الإسرائيلية وفقدان خصوبتها وتلويثها.
وأضاف: "هناك عدم قدرة لدى المزارعين في الوصول إلى مزارعهم لريها وتسميدها وتغذيه الحيوانات وتقديم اللقاحات البيطرية وحرث التربة، ساهم في رفع نسبة المواد الكيماوية الثقيلة وتدمير نسيج التربة والقضاء على التنوع الحيوي في التربة".
وبحسب إحصاءات أجرتها وزارة الزراعة، أوضحت أن العدوان تسبب في خسائر تجاوزت 25 مليون دولار كأضرار مباشرة فقط، كما دمر أكثر من 100 ألف دونماً بشكل مباشر، وحوالي 80 ألف دونم بأضرار مختلفة، فضلاً عن تدمير شبكات ري يقدر طولها بأكثر من كيلو متر إلى جانب شبكات الكهرباء ومعدات زراعية ومحاصيل جاهزة للتسويق.

