غزة - الرأي – أميمة العبادلة:
لا تزال معابر قطاع غزة على حالها وانفراجها المزعوم ليس سوى حبر على ورق، فما بين حرارة الشمس واختناق الأزمات النفسية التي لا تفتأ تفارق الغزيين نجد سجاناً مصرياً يحكم إغلاق بوابة لمعبر متهالك يفصل بين أخ وأخيه العربي بلا داع معلن سوى ثرثرات عن أمن قومي، وكأن هذا الغزي المغلوب على أمره هتلر القرن الحادي والعشرين.
إنها الثانية بعد الظهر ومازال الحاج أبو علي (80 عامًا) يجلس بوجع وريبة من أمره أن يتم إرجاعه مرة أخرى كالأمس، زوجته تروي لنا معانته مع المرض وعدم مقدرته الانتظار تحت حرارة الشمس دون جدوى هكذا، "معنا تقارير طبية تثبت مرضه وضرورة الرجوع للقاهرة لمراجعة طبيبه هناك لكن حركة المعبر بطيئة للغاية فنحن هنا منذ السادسة صباحا وكنا هنا بالأمس وتم إرجاعنا دون سبب" هكذا قالت زوجته.
الحق في السفر
الحاجة أم سليمان (65 عامًا) لا تشكو فعلياً من مرض، ولكنها تتوق لزيارة بيت أخيها المقيم في رفح المصرية لتطمئن عليه وعلى أسرته التي رأتها مره قبل سبع سنوات لكنها عادت أدراجها بخفي حنين أو لعلها عادت دونهما أيضاً، تقول: "لم يسمحوا لي بالسفر لزيارة أخي لأطمئن عليه وأطمئنه على حالنا بعد انقضاء الحرب، ويقولون لا بد أن أكون مريضة ومعي تحويلة كي يسمحوا لي بالعبور"، تصمت قليلا وتسألنا: "ألا يحق لنا الخروج والسفر ككل الناس إلا لو كنا مرضى أو موتى؟!!".
بوجهها البشوش كانت السيدة منيرة أم أحمد (60 عامًا) وهي من حملة الجنسية المصرية، متزوجة من فلسطيني وأقامت معه هنا منذ 40 عاماً.
وتروي لنا أنها اعتادت أن تزور أخوتها منذ وقت لآخر لكن ظروف المعبر في السنوات الأخيرة حالت دون تواصلها مع ذويها ومسقط رأسها وذكرياتها الأولى، وتابعت: "لم أستطع اصطحاب أي من أبنائي معي لأنهم لا يحملون الجنسية المصرية، فاضطررت للسفر بمفردي، أخبروني أنني سأتمكن من الدخول اليوم لكنني أنتظر في الحافلة منذ الصباح ولم نتقدم شبراً واحداً حتى الآن ومازالت طريق السفر طويلة وصحتي لا تحتمل الانتظار أكثر".
حالات خاصة
مدير هيئة المعابر والحدود ماهر أبو صبحة، يؤكد أن معبر رفح البري ما زال يعمل جزئياً بنفس الوتيرة ولا يسمح بمرور أكثر من 300 مسافر في اليوم الواحد، مشيراً إلى أن السماح بالعبور فقط لحالات خاصة تتركز في حملة الجوازات الأجنبية العالقين في قطاع غزة، والمرضى ذوي الحالات الحرجة المصحوبين بتحويلات طبية.
ولم ينفى أبو صبحة ورود العديد من الشكاوى والتذمر لحالات مختلفة تمنع فيها الأم الأجنبية من اصطحاب أبناءها غير المضافين معها ضمن أوراقها الثبوتية بعد مما يضطرها للتخلف على سفرها وتعطل أعمالها نظراً لعدم إمكانية ترك أبناءها هنا، بالإضافة لإرجاع كثير من مرافقين المرضى دون إبداء سبب.
ويشير إلى أن مباحثات القاهرة جميعها لم تتناول ظروف معبر رفح البري من منطلق أنه شأن مصري فلسطيني خاص ولا سلطة للجانب "الإسرائيلي" فيه، معللين أن لا مشاكل على المعبر.
ويضيف: "في ذات الوقت لم يتواصل عباس أو حكومة التوافق معنا كهيئة خاصة بالمعابر والحدود حول ما يمكن أن يستجد من انفراجات، والإدارة والعاملون في الجانب المصري ليسوا أصحاب قرار بل هم عبدٌ مأمور ينفذون ما يملى عليهم من قرارات عليا".
أما حول ما يُشاع من أن كثير من حالات الجرحى يعودون شهداء إثر حجزهم في مستشفيات العريش وعدم السماح لهم بالوصول للقاهرة لتلقي العلاج اللازم، ينوه أبو صبحة إلى أن لا شبهة في تعمد ذلك وهذا يتم بعد عرض المريض على لجنة طبية مصرية تحدد إن كانت الحالات حرجة والمكان الملائم لعلاجها وأن الأعمار بيد الله.
السلطة السبب
ويتفق مع هذا القول خليل أبو شمالة، مدير مؤسسة الضمير لحقوق الإنسان الذي ينادي بدوره بتقديم المتضرر بلاغ رسمي للتحقيق في هكذا قضية، غير أن شيئا من هذا لم يرد بشكل رسمي وعليه فإن ما يثار حول هذا الموضوع يندرج تحت بند الإشاعات التي لا فائدة من ترديدها.
يوكد أبو شمالة أن هناك اتفاقا بين السلطة الوطنية الفلسطينية والجانب المصري برعاية أوروبية على أن تقوم حكومة حماس بتسليم المعابر رسمياً لحرس الرئيس فور رجوعهم إلى قطاع غزة وانتشارهم، وهو ما أبدت حركة حماس الموافقة التامة عليه كما علمنا من عضو المكتب السياسي للحركة موسى أبو مرزوق".
ويقول: "التأخير والعائق الآن فعلياً هو من الجانب الفلسطيني حيث أن أبو مازن لم يحرك ساكنا بخصوص هذا الموضوع والمفترض أن يقوم الرئيس بالتحرك بشكل سريع نظراً لأن معبر رفح البري يعتبر شريان الحياة لأكثر من مليون وسبعمائة ألف مواطن غزي"، داعيا السياسيين لتغليب الحقوق الإنسانية التي تضمن العيش الكريم للأفراد، دون تغليب المصالح السياسية الخاصة بهم.

