أخبار » تقارير

الشهيد أسامة الحية .. سيرة عطرة ومواقف نبيلة

10 آب / سبتمبر 2014 03:06

ارشيف
ارشيف

غزة - الرأي - محمد قريقع

هكذا هي سُنة الحياة، يرحل الشهداء عنها بأجسادهم؛ لكن حكاياتهم المشرقة تبقي على مدار التاريخ يتداولها الصغير قبل الكبير، تماماً كمواقف الشهيد أسامة خليل الحية ابن الثلاثين عاماً الذي باتت أزقة وشوارع غزة تتحدث عن سجاياه ومواقفه النبيلة حتى بعد رحيله.

ولم يعش الحية لنفسه، ولكنه عاش لأمته، وبات هذا واضحاً من حديث شقيقه همام الذي أخبرنا بأنه كان معه أثناء عودتهما إلى البيت أثناء المنخفض الأخير الذي ضرب البلاد، فرأى أسرة فقيرة علي قارعة الطريق، فجعل شقيقه يذهب للبيت مشياً على الأقدام، حتى يفسح المجال للعائلة التي أوصلها لبيتها في وقت متأخر من الليل بعد أن انقطعت بها السبل.

لم يشغله عمله الجهادي داخل صفوف كتائب القسام عن تفقد الفقراء والمحتاجين الذين كانوا يرتادون إليه لخدمتهم، فقبل استشهاده بأيام جاءه أحد طلبة الجامعات ويبدو عليه أن يريد مساعدة مالية للتسجيل في الجامعة، ولم يتردد في خدمته لكن قدر الله كان غالبا فاستشهد ولم يسجله، ليتابع شقيقه همام قوله بأن العائلة ستقوم بتسجيله وفاء لطلب أبي خليل.

شقيقه الآخر عز الدين يروي حكايته متسائلاً من أين أبدأ من حبه لأهل بيته وبره بوالديه، أم من شغفه الكبير وسعيه الحثيث لطلب الشهادة في سبيل الله، أم عن وقته الثمين الذي كان يقضيه في قراءة الكتب الدينية بحكم تخصصه الشرعي في الجامعة؟!، مواقف وذكريات كثيرة تركها أسامة.

ويقول: "علي صعيد البيت كنا نجلس معه ونتشاور في كثير من القضايا وغالباً ما نأخذ برأيه لسدادته وحكمته في الكثير من الأمور، فترك فراغاً كبيراً رحمه الله بعد استشهاده".

حياته الأُسرية

أما أمل ابنة الشهيد أسامة الحية، بعد أن قابلتنا بابتسامة عريضة أخفت ورائها مرارة الفراق التي تجرعتها بعد فراق أسرتها عنها، أبي كان ضحوكاً معنا لدرجة أنه كان يلعب معنا داخل البيت لعبة" الشريدة" وغيرها من الألعاب التي لم نستمتع بها إلا بتواجده معنا.

وتضيف: "عند دخوله للبيت نطير من الفرح بوصوله، ويبدأ حينها بتوزيع ابتسامته علينا جميعاً، فرغم تعبه وأعماله الكثيرة, إلا أنه كان يأخذنا في رحلات ترفيهية, ولعل آخر رحلة تذكرها أمل أننا خرجنا إلي البحر وبقينا لوقت متأخر من الليل هناك، لشدة فرحنا معه، حتى قالت جدتي له: أنت قاعد "بتودعنا يا أبو خليل" لِما رأته عليه من علامات الفرح والسرور, وبالفعل كانت هذه لحظات ما قبل الوداع الأخير.

حياته التعليمية

ولم يرحل الشهيد عن هذه الدنيا إلا بعد رحلة تعليمية شهد عليها من عرفه من الأساتذة والمحاضرين، فتلقي أبو خليل تعليمه في المرحلة الابتدائية في الأردن، ليعود بعدها للبلاد ليكمل المرحلة الإعدادية في مدرسة الفرات والثانوية في مدرسة جمال عبد الناصر، والتي سوّيت بالأرض أثناء العدوان الأخير علي غزة.

ولم يتوقف المد التعليمي لأبي خليل عند هذه المرحلة، فبعد تفوقه في الثانوية العامة قرر أن يدخل التخصص الذي أحبه كثيراً وسعي للوصول إليه، تخصص أصول الدين وعند سؤالنا لشقيقه همام عن سبب حبه أسامة لهذا التخصص قال: "أبو خليل كان متفوقاً وبإمكانه إن يدخل التخصصات العلمية لذكائه وتفوقه فيها، لكنه أصر على التخصص الشرعي قائلاً رحمه الله: "والذي ينفعني في حياتي وآخرتي".

وواصل أبو خليل دراسته الجامعة، ليتخرج من كلية أصول الدين، ليصبح بعد ذلك فقهياً في دينه ويتردد إليه أخوته ومحبيه لسؤاله عن أحكام وقضايا شرعية فيجيب عنها بعد دراسة متأنية ويعطيهم الجواب الشافي، ولم يقف أبو خليل عند هذا الحد فهمته في طلب العلم بقية متوقدة، فسارع بالتسجيل لرسالة الماجستير في نفس التخصص الذي أحبه.

وعن رسالة الماجستير يتحدث د. زكريا زين الدين مشرفه علي الرسالة، إن أبا خليل اختار عنوان رسالته، من وحي عمله الجهادي الذي يعشقه، حتى جاءت باسم "أصول الحرب العسكرية دراسة موضوعية في السنة النبوية" ولمس مشرفه في ذلك أنه سيبدع في رسالته نظراً لأنها مقترنة تماماً بعمله الجهادي، فشجعه على ذلك، ووافق القسم على خطة رسالته رحمه الله.

وقبيل استشهاده بأيام كانت المفاجأة، حيث رأي الشهيد أسامة في منامه رؤيا أن الشهيد الذي أشتاق إليه كثيراً د. نزار ريان قال له في منامه: "أنا من سأناقش لك رسالة الماجستير"، ولم يكن يعلم حينها إن هذه الرؤيا كانت مؤشر على قرب استشهاده، لتجمعهما الشهادة بعد ذلك.

 لحظات ما قبل الاستشهاد

وتتابع ابنته أمل: "لم أتخيل في يوم ما، وفي وقت السحور تحديداً من صبيحة يوم الأحد الثاني والعشرين من رمضان، أن يتوسطنا صاروخ أُطلق من مقاتلة حربية, ليشتت عائلتي فوالدي وأمي وأخوتي صاروا شهداء، وجدتي الآن تعاني من إصابة بالغة أثر قصف منزلنا".

وفجأة تقول أمل: "وجدت نفسي في سيارة الإسعاف نظرتُ إلى ضابط الإسعاف يمسك بأخي حمزة وأختي أمامه والدماء على وجوههم، صرت أصرخ وأصيح "إخوتي إخوتي" وما إن وصلتُ إلى المستشفى بدأت أسأل أين والدي وأمي أين هم، ولم تدر وقتها أنهم شهداء".

وعلمت أمل وقت الظهر هي وأشقاء أبي خليل همام وعز الدين، أن أبي خليل وزوجته وأبنائه الثلاثة إمامة وحمزة وخليل الذي انتشل من أنقاض منزله بعد خمسة أيام من القصف، ليشكل خبر استشهادهم صدمة لهم، لكن هذه الصدمة تفتتت على صخرة صبرهم واحتسابهم شهداء عند ربهم جل وعلا.

وتتابع: "قبل أن يستشهد أبي بلحظات قليلة قام أبي بإطعامنا وقت السحور تمرات وسقانا الماء تمهيداً للصيام، لكن أسرتي رحلت وبقيت أنا وأخي عبد الرحمن شهداء على جرائم الاحتلال بحقهم".

ويبدو أن طموح أمل يلتقي كثيراً مع طموح والدها، فتأمل أن تدرس في المستقبل في كلية أصول الدين في الجامعة الإسلامية لتتخرج وتعمل في مهنة التدريس كمعلمة لمادة التربية الإسلامية.

 

متعلقات
انشر عبر
إستطلاع للرأي
جاري التصويت ...
ما مدى رضاك عن أداء المؤسسات الحكومية بشكل عام؟