الرأي – أميمه العبادلة:
خوف وهلع انتابنا من مستور لم يكشف عنه من قبل، وحين كُشف الغطاء وجدنا المأساة: شباب كالورود تناثرت في عمق البحر ولا معلومات أو محاولات تهدئ روع ذويهم.
كثيرون مازالوا ينكرون أهمية التطرق لموضوع هجرة الشباب الفلسطيني إلى خارج مجهول بشكل غير شرعي بحثاً عن حياة جديدة، على اعتبار أن الأمر لم يرقى بعد لنعتبره ظاهرة مستشرية، إلا أننا لا نريده أن يتحول لظاهرة فعلاً، ومن بعدها نغرق في دوامة البحث عن علاج قد لا يكون ناجعا حينها، والأصل أن نتخذ جُل سبل الوقاية من غول جديد يتربص بنا ويستغل فرط حاجتنا للحرية والحياة.
الهرب من الواقع المؤلم في غزة عبر سفن الموت لا يأخذ المهاجرين إلى الجنة بل يقتل أحلامهم ومستقبلهم وحياتهم بأكملها.
خبر مفجع
لا كلمات يمكنها أن تصف شعور أم مكلومة بفقدان نجلها وزوجته وأطفاله الثلاثة، أم محمد العبادلة فجعت بأن ابنها محمد وزوجته وأطفاله مصنفون ضمن المفقودين الذين كانوا على متن المركب المنكوب.
كان من الصعوبة أن نتحدث معها فحالتها النفسية كانت أقرب إلى الهستيريا، أخبرتنا أخته: "أنه كان قد سافر مع زوجته وأطفاله لإتمام إجراءات الجنسية المصرية لزوجته هذا كل ما كنا نعرفه".
تصرخ من زاوية المكان أمه الثكلى: " يا الله إنه سندي من بعدك في هذه الدنيا وبعد وفاة والده، لم يبقى من بعده أي أثر له حتى أولاده ذهبوا مثله" ومنعتها الدموع وحشرجة الكلمات من مواصلة الحديث.
فأبناء عمومة محمد يؤكدون ضعف المعلومات والأمل بوجود ناجين من بين الأسماء المفقودة، التي كان أغلب من بها من عائلات المحافظات الجنوبية لقطاع غزة، كأبو طعيمة، وأبو دقة، معروف، الدغمة، شعث، العبادلة، وغيرهم.
هناك عائلات بأكملها فقدت 15 مفقوداً من عائلة المصري، و30 فرداً من عائلة بكر، ومازالت كل الإحصاءات أولية والإشارة إلى قابلية الزيادة والجهات المصرية تعلن رسمياً وتطالب أقارب المنكوبين من الدرجة الأولى بالتوجه إلى القاهرة لاستلام أفراد عائلتهم والعودة بهم إلى غزة.مناشدين الجهات المختصة في غزةللتحرك من أجل تأمين وتسهيل سفرهم إلى مصر بأسرع وقت ممكن.
مأساة
تواصلنا مع أحد أفراد عائلة المصري لنستوضح أبعاد الموضوع، ففاجأنا بقوله: "أبناء العائلة فعليا بدأوا الهجرة منذ أواخر عام 2013 الماضي وتوالت الدفعات من عائلتنا تباعا، كنوع من الغيرة والتقليد وكل فرد منهم يظن أنه سينتقل بهجرته هذه إلى الجنة".
وواصل حديثه: "المشكلة أن غالبية المهاجرين غير متعلمين، وذوو حالات مادية صعبه جداً مما دفعهم لبيع أثاث منازلهم أو ذهب زوجاتهم ليتمكنوا من السفر، ولم يفكر أحد منهم ببذل بعض المجهود والمحاولة في النجاح هنا بل استسهلوا أمر السفر وكأن أوروبا تفتح أحضانها وملايينها من أجلهم.
كنت أتواصل مع الكثير ممن هاجروا وأتفاجأ بأنهم يعيشون داخل ملاجئ للمهاجرين غير الشرعيين ويعانون أكثر مما كانوا يعانون هنا.
مهاجرون
أخبرنا "س" من الناس أنه قد تابع إجراءات هجرة صديقه الذي كان اسمه ضمن هجرة المفقودين في الحادثة الحالية: "الآلية تتم عبر إرسال جواز السفر لأشخاص معينين، ليرسلوه له مرة أخرى مختومًا بختم دخول دولة مصر مقابل دفع 100 دولار، ومن ثم ينتظر المعني اتصالاً لتحديد موعد الدخول إلى مصرمن مدينة العريش إلى الإسكندرية".
الأورومتوسطي
مدير المرصد الأورومتوسطي رامي عبده أكد فقدان مئات الأشخاص من قطاع غزة، من بين المهاجرين على متن القارب التي تعرضت للغرق بحسب ما أعلنته السفارة الفلسطينية في العاصمة اليونانية "أثينا".
وأوضح أن جهود المرصد للوقوف على تداعيات غرق القارب الذي انطلق من شواطئ الإسكندرية في الساعات الأولى من فجر يوم الأحد 7 سبتمبر ويحمل على متنه نحو 400 شخص، عدد كبير منهم من الفلسطينيين من غزة والعريش وسوريا. مشيرا إلى استمرارالاتصال مع السلطات المعنية في إيطاليا واليونان ومالطا للتعرف على الناجين في المستشفيات،وجثث الضحايا، وأسماء المفقودين.
وأفاد عبده: "حتى اللحظة نستطيع تأكيد نجاة 8 أشخاص موزعين على مالطا واليونان وإيطاليا وحصلنا بشكل مبدئيعلى قائمة أولية بأسماء نحو 100 مفقود بينهم ما لا يقل عن 35 طفلا من قطاع غزة، منوهاً إلى أن الأمل في العثور على أحياء "ضعيف للغاية"؛ نظراً لتعرض القارب للغرق منذ ما يزيد عن 7أيام، ووصول النجدة وخفر السواحل بوقت متأخر.
جدير بالذكر أن السفارة الفلسطينية في أثينا أعلنت أن سفينة المهاجرين التي كانت تقل أكثر من 400 شخص أغلبهم فلسطينيين تعرضت للإغراق عمدًا مساء الأربعاء الماضي في إطار تنافس عصابات الموت والمهربين.
غربة وطن
بدروه، أكد أستاذ الصحة النفسية المشارك بالجامعة الإسلامية جميل الطهراوي، أن فكرة الهجرة غير الشرعية بحد ذاتها تستحق منا الوقوف مطولاً وخصوصاً بعد فاجعة الغرق من يفكر بالهجرة بشكل غير شرعي هو حتما يعاني من حالة اغتراب نفسي حادة، وهو أمر بالقطع لا يدل على سلامة التفكير.فهو يرى أن من يريد النجاح حقا يمكنه تحقيق ذلك بغض النظر عن المكان مدللا على وجود أمثلة كثيرة لشخصيات ناجحة داخل قطاع غزة.
ومن المشاكل وجود التعميم الخاطئ فليس من الصواب إسقاط جميع الحالات والظروف ومحاولة مطابقتها مع ظروفنا الخاصة، فليس من الصواب تعميم قصة نجاح حالة هجرة واحدة من بين مئات الحالات الفاشلة لأن الظروف قد تكون مختلفة.
وشجع الطهراوي مغادرة المتعلمين، لأن هذه الحالة فيها هدف واضح وطريق للنجاح، داعياً إلى تظافر الجهود من قبل جميع المؤسسات الإعلامية والدينية والتربوية على عقد ورشات عمل وندوات تناقش هذه القضية للحد منها.
متابعة مستمرة
وكانت وزارة الداخلية والأمن الوطني أعلنت ضبط أجهزتها الأمنية لبعض المهربين في قطاع غزة الذين ساعدوا بعض الشباب على الهجرة مقابل مبالغ مادية.

