أخبار » تقارير

إغراءاتُ المُهرِّبين.. أوهامٌ أغرَقت المُهاجِرين

25 آب / سبتمبر 2014 12:49

صورة أرشيفية
صورة أرشيفية

الرأي - تحقيق- مها ساق الله:

" ابني لم يمت، لا أريد أن يعزيني أحد به، ابني سوف يعود" كلمات لازمت لسان والدة الضحية علاء شعت، التي أصابتها صدمة جراء تلقيها خبر وفاته إثر حادث غرق السفينة التي كان بداخلها فلذه كبدها.

الضحية علاء شعت، والذي يبلغ من عمر (28) عاماً، هاجر برفقة زوجته صفية اللحام، وطفليه براء ثلاثة أعوام، وإسراء عام.

ويذكر أن علاء حاصل على شهادة البكالوريوس تخصص معلم صف من جامعة القدس المفتوحة، ولم يستطع الحصول على عمل، نظراً لحالته الصحية التي تمنعه من العمل في الأجواء الحارة، فقد حاول علاء الحصول على عمل هنا وهناك، ولكن جميع محاولاته باءت بالفشل، وبناءَ على ذلك قرر السفر إلى دولة تتناسب درجة حرارتها مع طبيعة جسمه.

من هنا جاءت فكرة الهجرة عند علاء رغم معارضة جميع عائلته ، إلا أنه جهز جميع أوراقه بطريقة سليمة للخروج عبر معبر رفح بتقرير طبي.

صفاء زوجته كانت من أشد المعارضين على الهجرة، لكنها هاجرت برفقته مُكرهة، بسبب اصرار زوجها الشديد على الخروج من البلد، عدا عن ظروفهم المادية الصعبة.

وكان علاء يتواصل مع عائلته، ليخبرهم بتحركاته، ويطمئنهم عليه أولاً بأول، وكان آخر اتصال من قِبله قبل الحادثة بأسبوع تقريباً، حيث طلب من والدته بأن تدعو له بالسلامة، ووعدها بمحادثتها لاحقاً مجرد وصوله.

وانقطع الاتصال بعلاء قرابة خمسة أيام، حاولت عائلته خلالها الاتصال به كثيراً، لكن دون جدوى، وبعد وقوع الحادثة بعدة أيام، تلقت أسرة علاء خبر وفاته، والتي لم تستوعب خبر غرقه برفقة زوجته وأطفاله، كما تعرضت عائلة زوجته لصدمة كبيرة، خاصة وأنهم لم يكونوا على علم بهجرة ابنتهم مسبقاً.

مشادة عنيفة

كان تعليق وزارة الإعلام متمثلة بوكيلها إيهاب الغصين، قائلاً:" بعد فحص أسماء من وصلوا لدول خارجية بطرق غير شرعية تبين أن معظمهم غادروا غزة بطرق رسمية عبر معبر رفح، بالإضافة إلى أن عدداً كبيراً من هؤلاء المهاجرين كانوا يعيشون بالخارج، وخاصة في جمهورية مصر العربية منذ عدة سنوات".

وأكد على أن عدداً قليلاً من المواطنين قاموا بمغادرة غزة بطرق غير رسمية عبر بعض الأنفاق التي تم حفرها خلال الأشهر الماضية، رغم الإغلاق الكامل للأنفاق من الجانب المصري، وتم كشفها خلال الأسابيع الماضية من قبل الأجهزة الأمنية وإغلاقها، وتوقيف أصحابها، وتم تقديمهم للجهات المختصة.

واعتبر فتح معبر رفح بشكل كامل أمام الأفراد والبضائع من شأنه أن يسهل حياة أبناء الشعب، ويعزز صمودهم ويفتح لهم آفاق العمل والتطوير والبناء في مجتمعهم.

وطالب الغصين الدول العربية بضرورة توفير حياة كريمة وآمنة لأبناء الشعب الفلسطيني اللاجئين لتلك الدول، وتوفير فرص عمل لهم إلى حين إنهاء الاحتلال الإسرائيلي، وعودتهم إلى بلادهم، وفتح المجال أمام الخريجين الفلسطينيين للعمل في الدول العربية حتى لا يضطروا للتفكير باللجوء إلى دول الغرب بطرق غير شرعية.

هلاك القوارب

وللوقوف على حيثيات الحادثة، أوضحت المتحدثة باسم مركز المرصد الأورومتوسطي مها الحسيني أن المهاجرين تنقلوا عبر البحر أربع مرات، وحدثت مناوشات عنيفة بينهم وبين المهربين بسبب تهالك القوارب، وبعدها هاجم الحاج رزق دمياط قارب المهاجرين ثلاث مرات، ولم يغادر حتى تأكد من غرقه.

وبينت الحسيني أن السفينة المنكوبة تحمل على متنها مئات المهاجرين الفلسطينيين، السوريين، المصريين، السودانيين، وحملة الجنسيات الأخرى، حيث شكل الفلسطينيون العدد الأكبر منهم، فهناك 450 مهاجراً نصفهم من غزة وفلسطينيي سوريا، نجا منهم 8 فقط.

وأجزمت بدرجة كبيرة وفاة معظم المهاجرين، مشيرة إلى أنه تم مخاطبة السلطات الايطالية واليونانية لانتشال جثث الضحايا إلا أنها لم تفعل ذلك بعد.

وعن فكرة الرحلة، قالت:" الفكرة بدأت عبر وكالات ومكاتب سياحية في أماكن مختلفة، من ضمنها مكاتب في مصر، و"وسطاء" في غزة، تواصلت مع المهاجرين على أساس وعد بالوصول إلى أوروبا، مقابل مبالغ مختلفة تراوحت بين 2000إلى 4000$، وقد اقتنع المهاجرون بالسفر في ضوء نجاح عدد من معارفهم في الوصول إلى أوروبا بنفس الطريقة، وتأكيد المكاتب بأن السفن آمنة ومجهزة جيداً.

وتابعت:" أما المهاجرون من أصول غزية، وبينهم عدد من العوائل، فقد كان عدد كبير منهم متواجداً بشكل مسبق في العريش أو محافظات مصرية أخرى، فيما وصل عدد آخر عبر معبر رفح، إما تحت بند العلاج، أو إكمال الدراسة، أو حصل على تأشيرة إلى دولة ما، ومنهم من دفع 1500$ دولار للخروج من المعبر، بينما وصل عشرات آخرون عبر أنفاق بين الحدود المصرية وحدود قطاع غزة".

وبلغ عدد المهاجرين عند الاجتماع في القارب، والذي يتكون من طابقين، ما بين 400 إلى 450 شخص، منهم نحو مئة طفل، تكدس قرابة 240 منهم في الطابق العلوي، و150- 200 في الطابق السفلي.

وأثناء الرحلة توقفت مضخة المياه، وقل ماء الشرب بدرجة كبيرة، ونفذ الطعام إلا القليل من التمور كانت بحوزة بعض الركاب، وتقاسموها فيما بينهم، وكانوا يشربون الماء بغطاء العبوات، وعندما شح الماء بدرجة كبيرة أصبحت الأولوية في الشرب للأطفال.

وطَلبَ المهربون من الركاب الانتقال إلى مركب آخر، للمرة الرابعة، وبدا للركاب أن المركب الجديد صغير (طوله 16-18 متر)، ومتهالك، فرفضوا الانتقال إليه، وحدثت آنذاك مشادة عنيفة بين المهربين والمهاجرين، ووافق المهربون على أن يكملوا المسير دون الانتقال إلى القارب المتهالك.

قارب دمياط

وبعد أقل من ساعة، ظهر فجأة قارب آخر صغير يحمل اسم "الحاج رزق - دمياط"، لمحه الركاب فقط على بعد 50 مترا منهم، وكان على متنه ما بين 5-10 أشخاص، وعند اقترابهم من قارب الركاب أخذوا يصرخون عليهم بلهجة مصرية، ثم قام هؤلاء الأشخاص بصدم قارب الركاب ما بين مرتين إلى ثلاث مرات بشكل متعمد، رغم صرخات الناس والتلويح لهم بالأيادي والأقمشة، ما أدى إلى فتح ثغرة فيه، وبدء تسرب المياه إلى داخله، واختلطت مياه البحر بالزيت والوقود الذي كان يستخدم للمركب.

انتظر الأشخاص على هذا القارب ليتأكدوا من غرق قارب الركاب فعلياً قبل أن يغادروا، وقال الناجون إن هؤلاء الأشخاص ظلوا يلتفون حول القارب وهو يغرق، بينما هم يضحكون ساخرين.

وأكدت الحسيني أنه يمكن الجزم بأن الحادث كان جريمة متعمدة هدفت إلى التخلص من المهاجرين في عرض البحر، ويظهر ذلك جلياً من خلال صدم القارب أكثر من مرة، وعدم مغادرة القارب الذي قام بالصدم إلا بعد أن تأكد من غرق قارب الركاب.

وتابعت:" صدم المركب وإغراقه أدى إلى غرق العشرات من ركابه فوراً، غالبيتهم من النساء والأطفال، ولم يتوافر عدد كاف من سترات النجاة، فيما ظل 100-150 شخصاً متمسكين بأطراف المركب وألواحه، وهم عائمون على سطح البحر ينتظرون من ينقذهم بدون فائدة، فيما تسببت الرياح الشديدة، البرد، والعطش في فقدان معظم هؤلاء لحياتهم غرقاً، وأصبح عدد كبير منهم جثثاً طائشة على سطح الماء".

وبعد قرابة الساعة، مرت سفينة شحن تنقل حاويات، يعتقد أنها سفينة يونانية، وكان عليها طاقم فلبيني، أنقذت اثنين من العائمين على سطح الماء، وطلبا من طاقم السفينة البحث عن آخرين، وواصلت السفينة البحث في المكان لمدة ساعة تقريبًا، ونجحت في العثور على 5 أشخاص أحياء آخرين.

وقدمت طائرة مروحية بعد قرابة 8-9 ساعات، حملت الأشخاص السبعة الذين تم إنقاذهم، ونقلتهم جواً إلى مستشفى في مدينة "لاكاني" في جزيرة "كريت" اليونانية، إلا أن طفلا منهم عمره 9 أشهر توفي لاحقا، ونجا الستة الآخرون

وتخوفت الحسيني من أن تكون سلطات بعض الدول الأوروبية، ولا سيما إيطاليا ومالطا، قد علمت بالكارثة في وقت مبكر، وتجاهلتها للحد من تدفق المهاجرين، هذا ولم يستطع المرصد من الحصول على إفادات حول وجهة أو مصير المهربين على قارب الركاب.

وأوصت بضرورة فتح تحقيق يتناول كافة الانتهاكات التي تخللتها الحادثة، بدءاً من الأماكن التي انطلق منها هؤلاء المهاجرون، والجهات التي تقوم بالاحتيال عليهم، وإغرائهم بوعود غير حقيقية، وكذلك حادثة الإغراق العمدية، ومن ثم تباطؤ السلطات في إنقاذ الناجين أو انتشال الجثث، داعية الدول ذات العلاقة إلى التعاون فيما بينها لكشف ملابسات انطلاق القارب، ومن ثم إغراقه، وتحديد المسئولين عن ذلك وتقديمهم للعدالة.

دوافع وأبعاد

وبعد وقوع حادثة إغراق السفينة، خرج مجلس الإفتاء الأعلى في فلسطين متمثل بالمفتي العام للقدس والديار الفلسطينية الشيح محمد حسين بفتوى تفيد بأن:" إقدام بعض الفلسطينيين على الهجرة من أرض الرباط (فلسطين)، إلى المجهول، طلباً للرزق وغيره في بلاد أخرى، جريمة نكراء”.

وأضاف حسين: "المحافظة على الرباط في هذه الأرض المباركة من أفضل أعمال البر، ففلسطين تشد الرحال إليها ولا يهاجر منها"، موضحاً أن الكارثة التي تعرض لها أبناء الشعب خلال محاولة تهريبهم إلى بلاد أخرى عبر البحر، هرباً من واقع الحال الصعب الذي تعيشه أرض الرباط، تنذر بنتائج مدمرة، رغم قساوة الرحلة وخطورتها، وتكلفتها الباهظة.

انسداد فرص العمل

ولهجرة الشباب للخارج دوافع وأبعاد نفسية واجتماعية، وفق ما قال الأخصائي النفسي والاجتماعي درداح الشاعر، فمن بين دوافعهم محاولة الابتعاد عن المناطق الأقل جذباً من وجهة نظرهم، فالشباب لهم طموحات وأحلام يسعون لتحقيقها، فالظروف المحيطة بهم من حصار، ظروف اقتصادية خانقة، انسداد الأفق في حل سياسي للقضية، والمناكفات السياسية بين الفصائل، والعدوان "الإسرائيلي" المتواصل، عدا عن انسداد فرص العمل أمامهم.

وواصل الشاعر:" بعض الشباب يعتبرون الهجرة ملاذاً آمناً لتطوير الذات، والقدرات، وتحسين ظروفهم المعيشية، فهم هربوا من واقعهم الاجتماعي، وليس إغراءً، فهم خرجوا لجهة مجهولة وغير معلومة".

واعتبر أن هجرة الشباب صورة من صور الانسحاب والهروب من واقع متأزم، معتقدين أن الهجرة هي المخرج الوحيد في ظل عدم وجود أفق تشعرهم بالأمل.

ومن أبعاد الهجرة على الشباب الفلسطيني، الشعور بحالة من الحيرة والتشتت، فالشخص الذي يفكر بالهجرة من وطنه يعاني من واقع نفسي واجتماعي مريض، حيث ستؤثر هجرته على انتمائه لوطنه، ومدى قدرته ومشاركته في تطوير مجتمعه.

متعلقات
انشر عبر
إستطلاع للرأي
جاري التصويت ...
ما مدى رضاك عن أداء المؤسسات الحكومية بشكل عام؟