غزة - الرأي – نور اسليم
في طريقها هي ووالدها لإجراء إحدى المعاملات الرسمية في فرع وزارة الداخلية في حي تل الهوا غرب مدينة غزة، تفاجأت المواطنة أمل كمال من مشهد جذب انتباهها.
وبدأت تفاصيل المشهد عندما همّت كمال لتساعد موظف مدخل البيانات المبتور اليدين في الكتابة عنه، لتجده يسبقها بقوة وعزيمة ويحتضن القلم بين كوعيه وبخط مرسوم يعبئ طلبها ويوقع ثم يرفع الورقة لتؤدي دورها في التوقيع على طلبها لإتمام المعاملة.
الموظف أحمد سعيد طافش "32 عاماً" منذ أكثر من ست سنوات يعمل في وزارة الداخلية والأمن الوطني، والذي استطاع تحدي إعاقته بإرادته القوية، وتسطير أروع الانجازات في حياته العلمية والعملية والتي ربما لا يقوى على فعلها الأشخاص مكتملي الأعضاء.
لا يمتلك يدين!
كل يوم جديد يبدأ الموظف طافش عمله، بابتسامة صادقة تعلو وجنتيه، يستقبل بها الناس وتوقع السحر في قلوبهم التي تقف احتراماً له قبل عيونهم التي تنغمر في تسبيح الخالق، وهم يرون معجزة تتحرك أمامهم تفعل ما لا يستوعبه عقل بشر، وعن ذلك يُعبر طافش: "نظرات من أقابلهم خلال عملي والتي تبدأ بالدهشة و تنتهي بالشكر لسرعة إنجاز المعاملة تغمرني بالسعادة وتعطيني دفعة للمزيد من العمل والعطاء".
طافش خرج إلى الدنيا ومعه إعاقته (عيب خلقي)، فهو لا يمتلك يدين كاملتين، ولكنه اعتاد أن يتعايش معها ويتقبلها، مضيفاً: " تأقلمت مع الإعاقة بمساعدة عائلتي ، ومارست حياتي بشكل طبيعي وقمت بكل شيئ بنفسي حتى نجحت في فرض نفسي على المجتمع ولم أنعزل عنه".
يصل طافش مبكراً إلى مكتبه صبيحة كل يوم، ليباشر فوراً في فتح الأجهزة والبرامج الخاصة بالإدخال ويتسلم من المواطنين طلبات المعاملات الخاصة بشهادات حُسن السيرة والسلوك وتعديل القضايا الجنائية ليدققها الكترونيا تتبعها سلسلة إجراءات تنتهي بتسليمها للمواطن في بضع دقائق معدودة.
فَضَّل العمل والدوام
عُين طافش في السلطة الفلسطينية وفي عام 2007 قطع راتبه، لتحتضنه الحكومة الفلسطينية في غزة وتُعيد له مستحقاته الوظيفية، ليتم تعيينه وفرزه على الإدارة العامة للشئون العامة والمنظمات غير الحكومية بوزارة الداخلية.
أحمد فَضَّل العمل والدوام بشكل يومي على الجلوس في البيت، وعن ذلك أوضح قائلاً: "باستطاعتي أن أطلب فرزي على الشئون العسكرية ويكون دوامي جزئي نظراً لحالتي أسوة بالجرحى والمعاقين ولكني أُصر على العمل والتواصل مع الجمهور وتقديم الخدمة للناس"، مشيراً إلى أن عمله اليومي زاد وعزز مكانته الاجتماعية من خلال مقابلة الجمهور والتعامل مع مجتمع المؤسسات العامة والخاصة.
ومن أبرز المواقف التي تعرض لها طافش خلال عمله وبرزت فيها إنسانيته وغمرت السعادة قلبه، هو إنجازه لشهادة حسن سيرة وسلوك لأحد المواطنين لاستكمال ملفه في ظرف طارئ بعد الدوام وإغلاق الأجهزة، ليعيد طافش تشغيل الجهاز وطباعة الشهادة والتشييك عليها ويطلب من المدير العام الانتظار قليلاً للتوقيع عليها نظراً لشعوره بشدة حاجة المواطن لهذه المعاملة حسب وصفه.
في ساحات اللعب
لن نبالغ بالقول عندما نتحدث عن أن بطلنا طافش ينتقل في ساحات اللعب بحيوية بالغة من لعبة لأخرى، تجعله يتحرك بطلاقة من فلك الهواية إلى فضاء المنافسة الرحب محققاً نتائج مبهرة تدهش الجميع .
الرياضي طافش وهو عضو ضمن تشكيلة لاعبي نادي السلام للمعاقين للاتحاد العسكري، بيّن أن الرياضة التي يمارسها بشكل يومي تمثل بالنسبة له محور هام ورئيسي ، فهو يمارس كرة القدم و تنس الطاولة بمهارة عالية، فضلاً عن عده أنشطه ومنها العاب القوي 100 متر ورفع الأثقال، متجاوزاً العديد من المباريات وحائزاً على الكثير من الميداليات.
وأكد طافش على أن ما يشجعه لممارسة الرياضة هو حبه وإصراره على إثبات الذات ، فبعدما كانت نظرة عامه الناس للمعاقين نظرة سلبية، اختلفت الآن تلك النظرة بعدما نجح المعاقين بتحقيق الميداليات الدولية ، وهذا ما عزز دور المعاقين في المجتمع .
وفي سياق حديثه مع "الرأي" يعود طافش ذي القامة المتوسطة بشريط ذكرياته قليلاً إلى الوراء، مستذكراً أول مرة لعب فيها طاولة التنس، وبضحكة ممزوجة بنكهة الفوز والنصر يصف لنا نظرات العيون "المشدوهة" (المتفاجئة) مما ترى من خفة وسرعة في صد الضربات، ليقف كل من تابعه احترامًا له، ويعلو صوت الصفير والتصفيق في نهاية المباراة فرحاً وفخراً بما صنع.
تحدي الخوف
وعن حكاية طافش مع مضرب كرة الطاولة التي بدأت قبل ثماني سنوات والتي نجح في إيجاد طريقة لمسكها بعد مجهود وتدريب طولين، نظراً لإصراره وحبه الشديد لتلك الرياضة التي حرم منها منذ صغره، يقول: "بدعم من أسرتي ابتكرت طريقة تتناسب مع إعاقتي وهي عبارة عن ربط حزام في يد المضرب بالذراع ونجحت في ذلك خاصة بعد رفضي للأطراف الصناعية التي قيدتني أكثر مما ساعدتني".
ويحرص طافش على المشاركة باستمرار في البطولات التي ينظمها الاتحاد العسكري والهلال الأحمر الذي يقيم بطولات خاصة لذوي الاحتياجات الخاصة بصفة منتظمة، ناهيك عن ولعه الشديد بمتابعة ومشاهدة البطولات الخاصة بكرة القدم سواء على الصعيد المحلي والعربي والدولي، حيث يحرص على تشجيع نادي غزة الرياضي والزمالك المصري وبرشلونة الاسباني.
أخصائي و سفير
طافش أخصائي تأهيل معاقين والذي يشغل حالياً عضو مجلس إدارة الاتحاد العام للمعاقين، يؤكد أن إعاقته لم تعيقه عن ممارسة حياته بشكل طبيعي كأي إنسان آخر، كما أنه تزوج من فتاة متعلمة وشاعرة، وأنجب منها ثلاثة أطفال، مضيفاً:"لا أشعر بنقص، إنما أعتمد على ذاتي في تدبر شؤوني وأقود سيارتي بنفسي".
يضع المفتاح بين عضديه ويهم بفتح باب سيارته، ثم يديره داخل المحرك بأصابع قدمه و يتحكم في مقود السيارة بكل سلاسة و بشكل يظهر مدى "ثقته" وتمكنّه من إجادة القيادة، مرجعاً الفضل في تمكنه لممارسة حياته دون أي شعور بالعجز أو الإعاقة، لوالديه، حيث قال: "دائمًا كانا يشجعاني على ألا أشغل نفسي بوضعي الخاص، فزادت ثقتي بنفسي".
لم تغب روحه الجميلة وابتسامته الدائمة طيلة الحوار، ولم تتوقف مفاجآت وانجازات أحمد بعد فهو الحائز على لقب " سفير ذوي الاحتياجات الخاصة" ضرب لنا جميعاً مثلاً يحتذي به في الإرادة والصمود الإنساني، مؤكداً بأن الإعاقة الحقيقة ليست بفقدان الأطراف أو السمع أو البصر، وإنما تكون عندما يمتلك الإنسان كل شيء ولا يحقق أي شيء.

