غزة – الرأي - آصال أبو طاقية
منذ أن تسلمت حكومة التوافق زمام الأمور في قطاع غزة، باتت معالمها تُصاب بالشلل رويداً رويداً نتيجة سياسة التهميش وعدم الاهتمام لموظفي غزة، وعدم إعطاءهم رواتبهم المستحقة بشكل منتظم الأمر الذي ألقى بظلاله على كافة تفاصيل حياتهم بشكل سلبي، وإحالة حياة الكثير منهم إلى فقرٍ مدقع يشتكي القلة والعدم.
الموظف الحكومي لؤي رجب بين أن الأوضاع الاقتصادية صعبة جداً في ظل عدم صرف الرواتب لفترة طويلة، وأن نصف الراتب لا يكفي للعيش بشكل طبيعي في ظل زيادة متطلبات الحياة وأعباءها من مدارس للأطفال وروضات، بالإضافة إلى غلاء المعيشة وتردي الأحوال المادية.
وقال رجب: "من حقنا الطبيعي والقانوني في جميع دساتير الحقوق المدنية والعمل، أن يتم لنا صرف الراتب بشكل كامل كما هو متفق لكننا نعيش هذه الأيام في أوضاع استثنائية وصعبة ومعقدة جداً، ولا أحد يعلم متى تُحل هذه الأزمة".
وأوضح أن صرف ألف شيكل للموظفين الحكوميين في ظل عدم إعطاءهم حقوقهم، وتجاهلهم من قبل حكومة التوافق لهو أفضل من عدم الحصول على شيء؛ لأن الأمور تزداد سوءاً يوما ًبعد اليوم.
ووجه رجب رسالته إلى حكومة التوافق بضرورة إنصاف الموظفين من غير تمييز؛ كونها حكومة ورثت حكومتين في الصفة الغربية وقطاع غزة معاً، فلا يجوز التمييز والكيل بمكيالين واعتماد سياسة التهميش لطرف ضد آخر وعلى حساب آخر أيضاً ".
وأكد أن المطلوب وجوب المساهمة في إنهاء ملف الموظفين بشكل عاجل، فهو ملف انساني ويجب إبعاده عن التجاذبات السياسية بين الأطراف؛ باعتباره ملفاً حساساً ومن خلال حله سيتم حل جميع الملفات الأخرى العالقة.
وتابع: "لا يجوز بعد مرور 8 شهور على موظفي غزة عدم تقاضيهم لرواتبهم سوى صرف 1200 دولار من قبل حكومة الوفاق منذ بدايتها وحتى الآن، وعلى الفصائل جميعاً أن تحاول الضغط بشكل كبير على حكومة الوفاق لإنهاء هذا الملف".
ظروف صعبة
بينما وصف الموظف إسلام عبده الأوضاع بالصعبة والمأساوية للغاية، مع تزايد الأزمة المالية الخانقة حتى وصل الأمر في عدم قدرة الموظف الوصول إلى عمله، وعدم قدرته على تلبية حاجياته الأساسية لعائلته وأبناءه في المدارس.
وقال: "صرف نصف راتب لا يكفي لأن يعيش الإنسان بشكل طبيعي مع ارتفاع أسعار كل شيء، لا أتحدث عن حالة الرفاهية بل عدم القدرة للحصول على أشياء أساسية من الطعام والشراب، وارتفاع المديونية لكثير منهم وعجزهم عن السداد ".
وثمن عبده قرار حكومة غزة السابقة صرف ألف شيكل؛ لكنها لا تستطيع معالجة المشكلة ولو بالقدر اليسير، ويجب أن يتم إيجاد حلول جذرية لعلاج المشكلة من أصولها؛ لأن الموظف لن يستطيع الصمود طويلاً في ظل أن ما يحتاجه أكثر مما يتقاضاه.
وتابع: "نتفهم وضع الحكومة السابقة كونها تتعرض إلى حصار ومع ذلك كانت توفر نصف راتب وتعترف في حقوقنا، ولكن الاشكالية في الحكومة الحالية تجاهلها التام وإبداء الوعود الكاذبة دون وجود أي بوادر ايجابية في سبيل دمج الموظفين أو الاعتراف بهم".
وأكد أن الأصل هو إعلان حكومة التوافق صرف مساعدات مالية إلى حين الانتهاء من حل ملف موظفي القطاع بشكل كامل، على أن يتم صرف باقي المستحقات حال انتهاء اللجنة من عملها، ولكن كل ذلك لم يحصل.
وأضاف: "يجب على حكومة التوافق الكف عن الاستهتار بأوضاع الموظفين الذين بلغ منه الوضع الى حد عدم القدرة على تلبية احتياجات الأساسية والبعض يحاول أن يدبر مصايف حياته بطريقة محزنه للغاية، فكثير من البيوت المستورة لا يعلم بها الله، والموظف من حقه أن يتقاضى راتبه بشكل دائم دون النظر الى الخلافات السياسية التي توجدها حكومة التوافق الوطني بين موظف شرعي وآخر غير شرعي".
محاولات للتخفيف
مدير عام الرقابة المالية في وزارة المالية إياد أبو هين، بين أن الموظف الحكومي في قطاع غزة تلقى أنصاف رواتبهم في آخر ثلاثة أشهر خلال تسلم حماس للحكومة، ولكن منذ بداية تسلم حكومة التوافق الوطني لم يستلم الموظف في غزة سوى 35_40% من راتبه المستحق حتى الآن.
وأوضح أن مشكلة الرواتب ليست مشكلة مادية أو فنية بل هي مشكلة سياسية بامتياز تتمثل في عدم إصدار قرار سياسي من قبل محمود عباس يُفضي بالاعتراف بالموظفين الحاليين في قطاع غزة، والدليل أن موظفي سلطة رام الله يتقاضون رواتبهم بشكل منتظم دون أدنى مشكلة، لافتاً إلى أنه لا يوجد هناك أي قرار من حكومة التوافق ينص على اعترافهم بالموظفين وحقوقهم.
وقال: "نحن في وزارة المالية نحاول تخفيف المعاناة الملقاة على كاهل الموظفين قدر الامكان من خلال صرف بعض الدفعات المالية البسيطة كإسعاف لحالهم الذي يُرثى له، كدفع 1000 شيكل مؤخراً لهم من بند المستحقات، بالإضافة إلى التواصل مع الجهات الممولة كقطر والمؤسسات المانحة من أجل تقديم المساعدة العاجلة وكذلك التنسيق مع مؤسسات المجتمع المحلي كالكهرباء وغيرها من أجل دفع الفواتير على بند المستحقات".
وأشار إلى أن وزارة المالية تعمل من خلال الإيرادات المحلية التي يتم جمعها وتحصيلها ومن ثم يتم توريدها إلى الحساب العام في الوزارة من أجل القيام بواجباتها في ظل عدم صرف الميزانيات التشغيلية من قبل حكومة التوافق الوطني.
وأكد على ضرورة أن تتحمل حكومة التوافق دورها تجاه الكل الفلسطيني وليس فقط طرفاً واحداً، وعليها عدم التنصل من الالتزامات الملقاة عليها سواء الموظفين أو كافة المؤسسات الأخرى.
مسؤولية الحكومة
المحامي يحيى إنصيو أوضح أن من يتحمل معاناة الموظف في الدرجة الأولى هي الحكومة حيث أن المادة (63) من القانون الأساسي الفلسطيني المعدل نص على أن مجلس الوزراء (الحكومة) هو الأداة التنفيذية والإدارية العليا التي تضطلع بمسؤولية وضع البرنامج الذي تقره السلطة التشريعية موضع التنفيذ، وفيما عدا ما لرئيس السلطة الوطنية من اختصاصات تنفيذية يحددها القانون الأساسي، تكون الصلاحيات التنفيذية والإدارية من اختصاص مجلس الوزراء .
وأضاف: "المادة (61/1) من القانون الأساسي تنص أن على الحكومة عرض مشروع الموازنة على المجـلس التشريعي قبل شهرين على الأقل من بدء السنة المالية، الموازنة هي من اختصاص مجلس الوزراء والتي من ضمنها رواتب الموظفين".
وتابع: "نصت المادة (1) من قانون رقم (7) لسنة 1998 م بشأن تنظيم الموازنة العامة والشئون المالية على تعريف النفقات الجارية: وتشمل الرواتب والأجور والعلاوات والنفقات التشغيلية والتحويلية للوزارات والمؤسسات العامة والأجهزة التنفيذية الأخرى للسلطة الوطنية".
وبين انصيو أنه حسب المادة (51) عدم جواز الحجز على الأجور والرواتب والمكافآت وملحقاتها من علاوات وبدلات وما يستحق من معاشات ومكافآت أو ما يقوم مقامها (وفقاً لقانون التقاعد العام) إلا بمقدار الربع، وفي حالة تزاحم الديون تكون لديون النفقة المقررة أولوية في الاستيفاء.
وحول إمكانية لجوء الموظف للقضاء من أجل انتزاع حقوقه، أشار إلى أن القانون الأساسي كفل للجميع حق اللجوء للقضاء حيث نصت المادة مادة (30/1) من القانون الأساسي الفلسطيني المعدل على أن التقاضي حق مصون ومكفول للناس كافة، ولكل فلسطيني حق الالتجاء إلى قاضيه الطبيعي، وينظم القانون إجراءات التقاضي بما يضمن سرعة الفصل في القضايا.
وأشار إلى أ هذا الأمر يعني بجواز لجوء الموظف للمحاكم ومقاضاة الحكومة ولا مشكلة في ذلك وهناك الكثير من الأحكام التي صدرت من المحاكم الفلسطينية لصالح الموظفين العموميين.

