غزة - الرأي/ أميمه العبادلة:
مهما كنت حاذقاً، وعبقرياً، ومُلماً بكل خبايا اللغة وتوظيف البلاغة فإنك لن تستطيع إيصال معنى المرارة لمن لم يتذوقها كما تتذوقها أنت، والحال ذاته في وصف معضلة انقطاع الكهرباء شبه الدائم عن قطاع غزة، فالأمر بات أكثر من مزعج بل صار مُهدداً للحياة بكل ما يتضمنه مصطلح "تهديد الحياة" من معنى.
فما بين مستشفيات وأجهزة طبية تتوقف وتضع المرضى في حالة حرجة كمرضى غسيل الكلى، والملقون على كف الرحمن في غرف العناية المركزة، والمخدرون في غرف العمليات؛ وما بين براعم وأسر بأكملها فارقت الحياة متفحمة حرقاً بفعل الشمع كبديل رخيص الثمن لبسطاء الحال، أو جراء حدوث تماس كهربي عند ميسوري الحال الذين تمكنوا من ابتياع مولد كهربائي ليعينهم يسيراً لقضاء حوائجهم الأساسية المرتبطة بالكهرباء.
مشاكل وهموم
قال المواطن باهر فتوح: "أكثر من جهاز كهربائي تعرض للتلف في منزلي جراء الانقطاع المستمر والذي يجعلك تشعر، أحياناً، بأن من يعمل ما هو إلا ولد صغير يشبكها ثم يفصلها كأنه يلهو بالقابس دون مراعاة لما يُحدثه هذا من تلف للأجهزة الكهربائية".
أما المواطنة أم وليد فقالت: "المعاناة كبيرة خصوصاً في الشتاء الذي بدى لنا وكأنه أكثر برودة من كل عام فلا تدفئة تعيننا ولا كهرباء تلهينا، وفي الحقيقة أنا أعاني بسبب الكهرباء مرتين: مرة على أولادي الذين لا يجدون المجال مناسباً للدراسة واستخدام الكمبيوتر في اتمام أبحاثهم، ومرة بسبب شلل الحياة الكاملة الذي يصيبنا". مضيفة: "كثيرا ما توافينا الكهرباء ليلا ونحن نيام فلا نستفيد منها، وفي الصباح جميعنا في العمل والدراسة فلا نستفيد منها أيضاً، الحال سيء لأبعد حد".
وأوضحت أن المنح التي تأتي الى قطاع غزة ما هي الى مسكنات لكي تسكت الشعب الفلسطيني على مرارة العيش التي يعيشها في غزة، موضحة أننا نسمع على المنح التي تأتي لشركة الكهرباء لكن المعاناة لا زالت قائمة ، والمشكلة مجمدة لا حراك فيها فجدول السـت ساعات لا زال موجود .ولم يطرأ عليه أي تغيرات.
سياسة عليا
الجميع يعلم في قرارة نفسه أن الأمر مسيس بالدرجة الأولى وأن الأزمة مفتعلة من أجل الضغط على غزة بكل من فيها، والجهود المضنية من قبل القلة التي يهمها اصلاح الحال وتخاف الله في مسؤوليتها تُقابل دوما بملايين العراقيل الجائرة.
بشرتنا بعض المواقع الإعلامية، أمس، بخبر جميل عن دفعة مالية كمنحة مرسلة من تركيا بقيمة نصف مليون دولار لصالح شراء وقود لشركة كهرباء غزة، وبالتالي إضاءة غزة مجددا، رغم أن الجميع يفكر في إجابة على: "وماذا بعد؟"، حيث أن غزة مرت بذات التجربة مرارا مع المنح القطرية والسعودية التي أسعفونا بها مشكورين.
الواقع المر يفرض نفسه بقوة على أفكارنا رغما عنا، فموضوع المنح السخية هذه ليس حلا جذريا ليقتلع معضلة انقطاع الكهرباء من قاع جذورها، فالمقدم جميعه مؤقت بهذا الخصوص ويضعنا دوما أسرى ليد العون، وهو ما يضعفنا ويضعف عزائمنا.
لا نعلم..!
من جانبه، مسئول العلاقات العامة بوزارة الطاقة أحمد أبو العمرين: " ليس لدينا اية معلومات عن المنحة التركية، ونتابع الأمر كما تابعتموه عبر الإعلام والإشكالية أن هذه الأمور تتم في رام الله وهناك ضعف كبير في التواصل معنا ونحن دوما آخر من يعلم".
ودعا أبو العمرين الى ضرورة تفعيل التواصل بين رام الله وغزة ، حرصاً على مصلحة المواطنين وتوفير أجود أنواع الخدمة لكن السياسة الحالية في التعامل مع القطاع تحول دون ذلك، مطالباً إلى ضرورة الحصول على حلول جذرية لجميع المشاكل التي يعاني منها أبناء قطاع غزة وعلى رأسها أزمة الكهرباء.
وثمن تركيا حكومة وشعبا على هذه المنحة التي "ستسهم في زيادة عدد ساعات توفير الكهرباء للمواطنين في القطاع خلال الأيام القادمة".
جدير بالذكر، أن سلطة الطاقة والموارد الطبيعية في قطاع غزة كانت قد أعلنت يوم الاثنين الماضي إنه من المتوقع إطفاء محطة توليد الكهرباء بالكامل خلال هذا الأسبوع نظرا لانتهاء المنحة القطرية لتغطية وقود القطاع تزامنا مع نفاذ المبالغ المحوّلة من شركة توزيع الكهرباء لشراء الوقود، علما أن ساعات الوصل اليومية لا تتعدى 6 ساعات مجزأة في كثير من الأحيان في أحسن الأحوال بسبب نقص الوقود اللازم لتشغيل المحطة.

