غزة- الرأي - عاهد علوان
بيوت متلاصقة في أحد أزقة المخيم , وصمت يخيم على المكان , أبواب مفتوحة تداريها ستارة , تحجب عنا ما بداخل البيت , كقلوب بعض الناس أخفت حزنها داخلها و أظهرت الفرح للجميع رغم كل ما تقاسيه وهذا هو أمل الطفل محمود كلوب ذو السبعة أعوام , الذي ينهش المرض في جسده الصغير , ولكن قلبه هو ينبوع حياة .
كان مثلهم !
جاء محمود على كرسيه المتحرك وقابلنا بابتسامة رقراقة خرجت من فؤادٍ أثقلته الأوجاع و أرهقته الأنات جلس بقربه والده و أخذ يتحدث عن شغف محمود بتوزيع أيقونات الابتسامة (السميلات) على إخوته و أقاربه وكل من يعرفهم , لأنه فقدها فهو على يقين بأثرها بنفوس الآخرين , فأبهج قلوبهم و أسعدهم .
في فناء منزلهم جلس محمود على كرسيه المتحرك وبين يديه ظرف ملئ بأيقونات الابتسامة يوزعها على أقرانه من الأطفال الذين كان محمود قبل أشهر يسابقهم في الأزقة أما الآن فهو يعجز عن الحركة , ولا يتحرك الا على كرسيه المتحرك .
يصنع الأمل
أراد المرض أن يسرق الابتسامة من محمود لكنه قهره و أبتسم و نشر الابتسامة بين كل من يحيطون به و نشرها بين غيره من المرضى الذين فارقتهم الابتسامة لإعادتها لهم مجدداً , ابتسامة جميلة رسمها محمود على محياه تحدى به كل من قال أن المرض أقوى من الإنسان , فهاهو محمود قد أدار ظهره للمرضى أبتسم رغماً عن أنف السرطان .
بداية الصدمة
الحرب الأخيرة لم تدع شئ في غزة إلا وقد وضعت بصمتها القبيحة عليه فأرعبت الكبار الصغار وتركتهم ؟ ومحمود كغيره من الصغار قد تركت الحرب أثرها على نفسيته , فخلال الليل كان يضحك بشكل هستيري , اندهش والداه من ذلك و سرعان ما عرضوه على طبيب نفسي بإعتبار أن هذا الضحك تأزم نفسي وهو مخرج من مخرجات الحرب , ولكن الأمر لم يقف عند ذلك بل أصبح محمود يشكو من مشكلة في الرؤية وعدم إتزانها و عدم اتزان في سيره , الأمر الذي حذا بوالديه لعرضه على طبيب مختص .
أبو محمود يقول:" كنت أرى خلال تلك الفترة منام مفزع يحمل بشارة سوء عن صحة محمود , كنت أراه في منامي يشكو من مرض في رأسه ويكأنه ورم " كان الوالد يطرد هذا المنام الذي تكرر في منامه و لا يسمح له أن يزعجه أو أن يعطي قائلا سيئاً عن صحة ابنه .
كانت الفاجعة
بعد عدة اختبارات بسيطة أجراها لولده طلب الطبيب المختص أن يجري له صورة للدماغ في تلك اللحظة رأى أبو محمود أمام ناظريه مشهد ذلك الحلم ولكن سرعان ما أنقشع , بعد أخذ صورة لدماغ محمود فظهر فيها ما كان يخشاه أبوه وهو وجود ورم سرطاني في الدماغ بالقرب من مركز الاتزان الأمر الذي تتطلب نقله بصورة عاجلة للعلاج في مستشفيات الداخل المحتل لضعف الإمكانيات العلاجية في مستشفيات القطاع , فالمرض قد أصاب محمود في جزء حساس من الدماغ فلا يعالج بالتدخل الجراحي ولا بالجرعات الكيماوية فقط بالإشعاع , ذهب محمود في رحلة علاجية استمرت لشهرين .
مضاعفات المرض
بوجه باهت و بعيون تجمدت فيها الدموع لكنها لم تسقط على وجنتيه يقول أبومحمود: " عاد بعدها محمود على كرسي متحرك و بوزن أضعاف وزنه الذي ذهب به و بحول أصاب عينيه ,شكل ذلك صدمة كبيرة لنا وللحي بأكمله محمود لم يعد كما كان , ولكن بأيماننا بالله قد تحملنا كل ذلك , ونحمدالله على كل حال".
أمل فريد
محمود يخوض رحلة علاجية تلو الاخرى في مستشفيات فلسطين المحتلة ، لكي يقهر ذلك المرض الذي لم يرحم طفولته و براءته , محمود يملك أمل جميل قد غاب عنا جميعاً , فأمله أن ينشر الإبتسامة على وجوه الآخرين هذه الإبتسامة التي لا يعرف قيمتها إلا الذي فقدها , محمود واحد من ألاف أصيبوا بمرض السرطان , لكنه واحد من القلائل الذين تحدوا المرض وهزموه , وقالوا له:"سنحيا ونبتسم و ننعطي ما تبقى من إبتسامتنا لكل من حولنا".

