غزة-الرأي – مريم السقا:
أن تكون فلسطينيًا فهذا يعني أن يدمر منزلك أمام عينيك، أن يقتل ابنك وهو في حضنك، ولن يكون بعيدًا أن يُغتال حلمك وهو في ربيع قلبك، أن تقف على باب معبر رفح لمصلحة لك فتعود بخُفي حُنين، وذنبك هو أنك تحمل دفترًا صغيرًا أخضر اللون "جواز السفر" الموسوم بصقر الفخر والكبرياء الذهبي وتحته اسم "فلسطين".
وجع الفرح
"كانت تلك اللحظة أطول من وجع الوطن الذي اعتدناه، كانت سخيةً بالفرح كما كان الحزن والحصار سخياً معنا، وبقدر ما انثنت علينا أوجاع الحصار تكبّلنا كما تكمّم العصافير عن شدوها، وقد حاولتُ جهدي في أن نصل لطريقةٍ مشروعة إلى هناك، من خلال معبر مصر البري أو معبر (إيرز)، ولكن الطوق كان أشد من الشوق".
هكذا بدأت الشاعرة سمية وادي حديثها، وهي تصف مدى الوجع الذي يخنق روحها حيث لم تتمكن من المشاركة في برنامج أمير الشعراء الذي تنظمه لجنة إدارة المهرجانات والبرامج الثقافية والتراثية بإمارة أبوظبي بسبب إغلاق معبر رفح البري.
وتابعت وادي: "بصدق، هذه أول مرةٍ أشعر فيها بظلم الحصار ومعنى أن تغلق البوابات علينا، فيمنع الطلبة من جامعاتهم، والمرضى من دوائهم، وأصحاب المصالح من إقاماتهم وأعمالهم، وما كنتُ أفكر إلا بالقهر والغيظ، حتى ظللتُ أردد تلك الفترة: ما ألعن العجز، ما ألعن العجز".
حلم الإمارة لم يكن الفرصة الأولى التي أتيحت لسمية لتصدح برسالتها للعالم، ولكن في كل مرة يموت الحلم قبل ميلاده، فقبل عامين لم تتمكن من المشاركة في احتفالات ربيع الشعر في الكويت، وإحياء فعاليات عن فلسطين في تركيا، وغيرها، ولنفس السبب أيضًا.
القلم كالسيف
كما أكدت وادي على دورهم كشعراء أنه يضاهي دور اليد والبندقية، فالكلمة الآن تخوض حروباً وتقتحم مستوطناتٍ وتفعل الكثير، تماماً كصوت شاعر الخضراء أبو القاسم الشابّي: "إذا الشعب يوماً أراد الحياة فلا بد أن يستجيب القدر" الذي ظل خالداً وأدى إلى انتصار ثورة كاملة.
وختمت وادي حديثها: "نحن نعزّي أنفسنا بأن الخير فيما اختاره الله، أما ظلم غزة فقد اختاره الصمت العربي والتكالب على شعبنا المكلوم، ولن تقف القصيدة عند باب المعبر، بل سأخلق لها أجنحةً من الغضب، تطير بها صوب أمير الشعراء، لتبقى غزة المنطقة الوحيدة الحرة، ولعله قد انكسر أجمل فينا وهو الحلم، لكن بقي أهمّ ما فينا وهي الإرادة".
أحلام معلّقة
وعن الشاعرة آلاء القطراوي، التي مُنعت كزميلتها من المشاركة أيضًا، قالت: "بالتأكيد برنامج أمير الشعراء حلم كل شاعر، ولكن الوجع أن تكون شاعرًا فلسطينيًا تريد أن توصل رسالتك للعالم، ولكن الحلم يُكسر على أبواب معبر رفح حتى بعد الحصول على التذكرة والفيزا".
وتحدثت القطراوي عن فعالية أقامتها رابطة الكُتّاب والأدباء الفلسطينيين لتكريم الشعراء الذين منعوا من المشاركة في البرنامج، حيث وجهوا رسائل للعالم بأسره عبر قصائدهم، وتمنت القطراوي أن تكون على مسرح أمير الشعراء، وأكدت أنه لا أحد يستطيع أن يفرح كالشعب الفلسطيني، فنحن شعب يجيد الفرح كما يجيد الموت، ونستطيع أن نقول أننا بمقدار الوجع لم نفقد الإيمان حتى وإن كان معنا فقط أجسادنا ولحومنا ورصاص بسيط نواجه به الاحتلال.
وأيضًا لم يتح للقطراوي المشاركة في أكاديمية إعداد القادة مع د. طارق سويدان بسبب إغلاق المعبر كذلك، وتناشد القطراوي العالم: "افتحوا بوابات المعبر، فهناك أحلام تريد أن تطير، أطفال يريدون أن يبتسموا، فالدم ليس هو المشهد الوحيد للفلسطيني".
نشاطات مشلولة
ولا تخفِ الشاعرتان دور وزارة الثقافة في الارتقاء بموهبتيهما ولكنهما تلومان المسئولين في عدم إيلاء المواهب الشابة ما يكفي من الدعم.
من ناحيته، قال مصطفى الصوّاف وكيل وزارة الثقافة: "بكل تأكيد حال المعبر دون تواصل الشعب الفلسطيني مع العالم، وأن لا تصل الرسالة الفلسطينية إليه، إلى أن طال ذلك الجوانب الثقافية والأدبية"، مؤكدًا أن دور الوزارة في هذا الجانب يقتصر على تسهيل عملية الوصول إلى الجانب المصري على المعبر دون المرور بأية عقبات، نافيًا وجود أي تواصل مع جهات خارجية.
ونوّه الصوّاف أن الوزارة كانت تتواصل دومًا مع الشعراء وتقيم نشاطات ثقافية، ولكنها باتت الآن مجمدة نتيجة الأزمات التي تغرس بخناجرها في المجالات ككل، إلى أن أضحت النشاطات جميعها مشلولة.
على حائط وطن تعلق حكاية كل يوم، وفي دهاليز ذاكرة التاريخ يحفر أبنائه وجعًا معجونًا بأمل لغدٍ أفضل، ينقشع حُلمًا بنوره الوهاج ليفسح المجال لِطيفٍ آخر.

