غزة-الرأي- آصال أبو طاقية:
فصول الحياة لم تمضي كما اشتهين وخططن لها منذ وقتٍ طويل، فالحلم في فلسطين مبتورٌ مادام الاحتلال " الإسرائيلي" يتربص به ليل نهار؛ كي يقتله في مهده، ويمنح أصحابه ألماً لا يهدأ وجرحاً لا يندمل إلا بــ" حرية الحبيب " .
حبي له
تزوجت الشابة سحر القواسمي بالأسير المحرر عباس شبانة " 43 عاماً "، والذي كان محكوماً عليه بــ 22 عاماً ونصف، إلا أنه خرج ضمن صفقة وفاء الأحرار عام 2011، ليعاد اعتقاله في عام 2014 من جديد؛ كي يقضي ما تبقى له من محكوميته السابقة .
وقالت :" لا أعتبر نفسي ممن عانين كمثيلاتي من زوجات الأسرى لارتباطي به بعد تحرره، إلا أن مرارة السجن رافقت جميع أهله، فأخيه الوحيد يُدرس في الخارج ولم يتمكن من رؤية أخيه حتى الآن، ومعظم شقيقاته تزوجن وهو داخل السجون".
وأوضحت أن ما يجعلها تنتظره هو حبها له، فقد قضى سنوات شبابه خلف القضبان، وتحملها الآن لما تمر به لا يُذكر أمام ما يعانيه زوجها، فقد وافقت على زواجها منه رغم علمها باحتمال اعادة اعتقاله من جديد في أي وقت، ومع ذلك فهو من يعينها على تحملها الحياة بإمدادها بالقوة والصبر.
تبحث عنه !
وتابعت :" لم يسمح لي بزيارته إلا بعد 6 شهور من أسره وذلك قبل إعادة الحكم عليه، وحالياً أزوره مرة كل شهرين ولأقل من نصف ساعة ، ومع ذلك فإن هذا الأمر يُسعد ابنتي ذات العامين جداً والذي تمسك بوالدها وتتعلق به، وحين انتهاء الزيارة تأبي تركه فآخذها بالقوة، فتظل تبكي ولا تنام طوال الليل ".
وذكرت بألم شديد أن ابنتها متعلقة بوالدها كثيراً، فقد كانت تبلغ من العمر عاماً ونصف عند اعتقاله، وبقيت تبحث عنه بشكل يومي عند استيقاظها لمدة شهر، وإذا طرق الباب تجدها تركض فرحاً وتحضر لي صورته وكأنها تقول أين ذهب والدي فيحترق قلبي آنذاك، وحتى الآن تأخذ صورته وتقبله يومياً وتحضر فيديوهات كان يلاعبها فيها ؟! " .
صنع لي السعادة
قصة معاناة أخرى تعانق الشابة صبرا عمايرة خطيبة الأسير حمد الزير " 28 عاماً " والذي بدأ مع رحلة الاعتقال وهو يبلغ من العمر 19 عاماً، أي أن مجموع ما قضاه في السجون أكثر من سبع سنوات، منها أكثر من عامين ونصف في الاعتقال الإداري .
في عام 2014 تم اعتقال الزير مرتين، الأولى مكث خلالها 4 شهور إداري، والثانية 3 شهور اداري، وكان من المفروض أن يخرج في شهر مارس لهذا العام، لكن تم تمديده لثلاث شهور أخرى.
وحول انتظار عمايرة لخطيبها قالت :" عندما تقدم خطيبي له وضّح لي الأمر، وأخبرني بأنه أسير سابق ومن المتوقع اعتقاله في أي وقت وهو يريد فتاة تتقبل هذا الأمر، فكان جوابي أنني أريد شخص مثله بل كان أحد شروطي، فكيف لا أنتظره وهو من صنع لي السعادة وهو في السجن حيث الفرح معدوم، فو الله لو خيّروني برجال الدنيا كلها لن أختار غيره ".
يستحقون الانتظار!
وبينت أن الدافع من تحملها هو أن الأسرى يستحقون الانتظار، فهم ضحوا بأجمل سنوات حياتهم، أفلا ننتظرهم، مع أن الأمر صعب على النفس؛ خاصة وأن الخطوبة تمت وهو في السجن وقد كان ينتظر هذه اللحظات منذ فترة طويلة، ولكن شاء الله أن يعيشها داخل الأسر.
وأكدت أنها ستصنع الفرحة رغماً عن أنوف السجان عما قريب، ومن يرتبط بالأسير وهو داخل الأسر فإنه يخفف عنه الكثير ويُشعره بأن هناك من يتقبله حتى لو بقي له سنوات طوال في السجن .
اختطاف الأسير أعاد الأمل لكثير من أهالي الأسرى في أملهم بالخروج والعيش بشكل طبيعي كباقي الناس، وربما هذا ما شجع الأسرى على الارتباط وهم في السجون، لأن المقاومة لا تترك رجالها، وهناك الكثير من الفتيات يتمنين الارتباط بمن داخل السجون _ حسب عمايرة _
تجربة مشابهة
وليس ببعيد تزوجت الشابة أفنان رمضان بالأسير أيوب العواودة " 32 عاماً " بعد أن أمضي 4 سنوات في الأسر، ليعاد اعتقاله خلال الحملة المسعورة على مدينة الخليل إثر اختفاء المستوطنين الثلاث وإعطاءه حكماً إداري، في وقتٍ كانت أفنان في أسبوعها الأخير من الحمل حيث أنجبت طفلها الذي يبلغ من العمر الآن تسعة شهور، وما زال والده يقبع في الأسر الإداري.
وجدت أفنان صعوبة جداً في اعتقاله الأخير، فقد زادت مسؤولياتها ورعاية منزلها من دون وجود الأب؛ الأمر الذي تعتبره غير بسيط على الإطلاق، أما عن زيارته فقد قدمت طلب زيارة ولم يتم الرد عليها حتى الان في ظل توقعها بعدم السماح لها؛ كونها أسيرة محررة سابقاً.
وقالت:" ما يدفعني على التحمل والانتظار، هو حبي لزوجي واخلاصي له ، ثم ايماني بمبادئه وانتمائه ، وخوضي لتجربة مشابهة لما يعيشها الآن، ومع ذلك سأربي اطفالي على ذات النهج المقاوم، فلا أجمل من أن نبني اسرة على دين وخلق ونهج قويم، فالسجن لن يثنينا ولن يزيدنا الا قوة ".
105 يوماً من الإضراب
بينما خطيبة الأسير أيمن علي سليمان اطبيش" 35 عاماً " زينب أبو عرقوب قالت :" اعتقل خطيبي في شهر مارس لعام 2013 وأحيل إلى الاعتقال الإداري لأربعة شهور، ليعلن بعدها إضرابه عن الطعام لـ 105 يوماً؛ رفضاً لسياسة الإعتقال الإداري ".
وأضافت :" علق خطيبي إضرابه بعد الاتفاق الذي جرى مع إدارة مصلحة السجون بعدم التجديد له حيث تنصلوا من الاتفاق، ليستأنف بعدها إضرابه المفتوح عن الطعام قرابة 4 شهور ثم علقه بناءً على اتفاق مع نيابة الإحتلال يقضي بالإفراج عنه في شهر يناير بداية هذا العام؛ إلا أنها تنصلت من الاتفاق مجدداً وجدد له 3 شهور إداري ومن المفترض أن يفرجوا عنه هذا الشهر، ولكن تم التجديد له لــ 3 شهور مرة أخرى ".
وأوضحت أن زوجها أمضى قرابة 12 عاماً في الأسر، ورغم علمها بأنه قد يعتقل مرة أخرة في أي وقت إلا أنه رضيت به زوجاً، بل وتفخر بأن الله من عليها أن تكون زوجة لرجلٍ مجاهد أفنى عمره في سبيل الله، ومضحياً لأجل كرامة الوطن، ولم تشعر يوماً برغبتها في تركه أو عدم انتظاره، بل يزداد صبرها وتحديها للحياة يوماً بعد الآخر.
نتقاسم الهموم
وتابعت :" عندما أصبحت جزءاً من حياة أسير مجاهد, أحسست بثقل المسؤولية وبمعاناة الأسرى، فقاسمتهم همومهم وآلامهم, وأصبحت أبث الأمل في نفوس زوجات الأسرى المحكومين بالمؤبدات, وذوي الأحكام العالية، ورغم تقصيري إلا أنني على أمل أن تكون تضحيتي هذه توفيهم ولو القليل من حقهم علينا".
الفتاة العشرينية زينب عند خطبتها للأسير لم تكن لتجرب آلاماً من قبل أو قسوة الحياة، ولكنها تبين بأن أيمن بدأ رحلة معاناة الاعتقال في سن 18 عاماً؛ الأمر الذي يُمنحها مزيداً من قوة القلب وتحمل الشدائد، لأنها أحببته جداً؛ كونه شجاعاً وجريئاً في الدفاع عن قضيته.
وأشارت إلى أنها تفتقد أيمن في مواقف كثيرة من حياتها، وكلما تذكرت مواقفه الجميلة وتخطيطه للمستقبل في بناء أسرة وتكوين عائلة سعيدة، تزداد صبراً وشوقاً لانتظاره، موضحةً بأنها لم تزره طيلة العامين، وأن التواصل يقتصر على الرسائل المكتوبة وبعض الاتصالات المشوشة كل فترة.
وواصلت حديثها :" رسالتي للعدو أنه مهما أصدرتم من أحكام فأنتم إلى زوال، وما الحكم إلا لله رب العالمين، وهذه الأحكام ماهي إلا دليل واضح على إفلاسكم وقلة حيلتكم يا من تنقضون بوعودكم في كل مرة، فيكفينا فخراً

