"أبلغوا إدارة السجن بأن هناك حالة ولادة في الزنزانة رقم 14، ونريد سيارة إسعاف لنقلها إلى المستشفى!"، إنه 17 كانون الثاني/ يناير 2008: جاء أوان المخاض أخيراً"، إنها اللحظات الأولى لإنجاب الأسيرة المحررة فاطمة الزق لطفلها "يوسف".
فانطلقت زميلات فاطمة ينادين السجانات لاتخاذ الإجراءات اللازمة، فرفضت إدارة السجن حضور أمها للولادة أو أيا من أهلها، ولم يكن حاضراً معها سوى عدد قليل من السجانات والمسئولين بالسجن.
قصة إنسانية
وعلى اعتبار أن هذه القصة تشكلُ حدثاً إنسانياً مهماً وفريداً لطفلِ ولد داخل زنازين الاحتلال في ظروف مأساوية، اختارت "شبكة الرأي الفلسطينية" هذه القصة، لتكونَ قصةً إنسانية لفيلمها الوثائقي والذي أطلقت عليه "ابن الظلمتين" في إشارة إلى ظلام البطن، وظلام السجن وولادته فيها.
فحاز هذه الفيلم على المركز الأول لأفضل فيلم وثائقي في مسابقة مهرجان شموع الأمل الدولي للأفلام الوثائقية الذي أقامه مركز إعلام الأسرى.
وبالعودة إلى قصة الأسير الطفل "يوسف"؛ حيث وصلت سيارة الإسعاف أخيراً أمام مستشفى مائير بمدينة كفار سابا، لتبدأ "جلسة تعذيب جديدة"، لاتزال الزق تتذكر لحظاتها: "وصلت إلى المستشفى الساعة الواحدة تقريبا، لتتركني الطبيبة الإسرائيلية دون أية عناية حقيقية؛ كانت نظرات الحقد واضحة في عينيها، ولم يزد دورها عن الصراخ علي بلغة عربية مكسرة: "خلصي! أنجبي هذا "الإرهابي" وأريحينا.
أتمزق من الألم
ثم تتابع بالقول: "ظلت صرخاتي تتعالى باستمرار على مدى أربع ساعات في المستشفى، وأنا أتمزق من الألم. حقنت ذراعي بأحد المحاليل إضافة إلى إبرة مخدرة كنت في أشد الحاجة إليها، وبدأت تسهل الأمور علي قليلاً.
وبينما تحاول فاطمة أثناء المخاض لفظَ أدعية تسهيل الولادة، رغم الآلام والمشقة وعدم قدرتها على الحديث، حتى بدأت تسمع صرخات لطفل، عرفت بعدها كما أخبروها أنها ولدت وأنجبت ذكراً أسمته يوسف.
وتقول: "بمجرد أنني وضعت مولودي جرى تقييد يديّ وقدميّ ورُبطت بالسرير بسلاسل حديدية، ولم يستجيبوا لتوسّلاتي لهم بأن يفكوا القيد من فرط ما أشعر به من ألم، قائلين إن هذا قانون وهم لا يستطيعون مخالفته».
وتضيف: «بالإضافة إلى ما عانيته أنا، كانت هناك أيضاً معاناة يوسف الذي لم يذق للطفولة طعماً ولم يرَ أطفالاً آخرين غير غادة ابنة الأسيرة خولة زيتاوي، ولكنها نالت الإفراج قبلنا فحزنّا لفراقها ولأنها تركت يوسف وحيداً بقدر ما فرحنا لحصولها على الحرية، لقد كان يوسف يلعب بأدوات المطبخ التي لم يعرف ألعاباً غيرها، وكان يخاف من السجانين الرجال لأنه عاش بين النساء»
يوسف النبي!
واختارت الأسيرة فاطمة اسم يوسف تيمّناً بنبي الله يوسف عليه السلام، الذي أتاه فرج الله عز وجل بعد أن رماه إخوته في البئر، ثم بعد أن ألقي في السجن بضع سنين، وتقول: «كان كل حياتي وروحي والنفس في جسدي، فالله أكرمني به، فهو النور الذي ينوّر عتمة الزنزانة، وهو أنيس الوحدة لي وللأسيرات، إذ كنّ أمهات له، فهو أكبر وأعظم هدية من الله عز وجل فالله رحمني به وأنا أسيرة.. ».
لكنَ كل آلام المخاض والتعب نسيتها عندما رأيت ولدي "يوسف"، لم أصدق، تذكرت فصول المأساة عندما أرسلت إلى سجن "هشارون"، هكذا تروى فاطمة بدء معاناتها قبل الولادة ، حيث كانت بحاجة إلى غذاء متنوع وغني بالفيتامينات نظرًا لحملها، لكن ذلك كان شبه مستحيل في مكان "سيئ التغذية والظروف" حيث أن اللحم "ترف كبير" قلما حظوا به! فكانت شهور الحمل قاسية وصعبة.
خاضت فاطمة خلال تلك الشهور "معركة الحفاظ على جنينها" الذي كانت قلقة عليه وبشدة، فقد أصيبت بنزيف خلال وجودها في زنزانة التحقيق، وحينما طلبت تحويلها للمستشفى قوبلت بالاستهزاء والسخرية من السجانين.
أمام "القدر المحتوم"
"أفرغي ما في داخل حقيبتك على الطاولة، ثم ضعي أغراضك جميعا عليها!"، عبر مكبر للصوت مثبت على الحائط، صاح بها صوت بالعربية في الجانب الإسرائيلي من معبر بيت حانون في طريقها نحو الضفة الغربية.
كانت في طريقها للخروج من قطاع غزة إلى الضفة الغربية بتقرير طبي مزور، كي تحاول بعدها تنفيذ عملية فدائية داخل المناطق المحتلة عام 1948.
تتحدث فاطمة، عن ذلك اليوم الموافق للعشرين من أيار/ مايو 2007، فتقول: "ودعت أولادي دون أن أشعرهم بذلك، لأن أيا منهم لم يكن يعلم بما كنت مقدمة عليه حتى زوجي.
مضيت في طريقي دون أن ألتفت إلى ولدي الصغير سليمان الذي كان وقتها في الثالثة والنصف من عمره كي لا أضعف أمام عاطفة الأمومة".
عند دخولها لمعبر بيت حانون ثمة ما أثار شكوكها منذ البداية، لقد دخلت الجانب الإسرائيلي من المعبر فوجدته خالياً تماماً رغم دخولها في وقت الظهيرة هي وابنة أخيها روضة، حيث كان يفترض أن تقوم كل منهما بعمليتين منفصلتين، لكن لم يعد هنالك مجال للتراجع.
تتابعت الأوامر عبر مكبرات الصوت دون أن ترى أحدا: "اذهبي نحو الباب الأوسط. اتخذي الطريق المستقيم أمامك. قفي هنا! تحركي نحو الباب الأيسر"، فلما رفضت التقدم لخطوة واحدة فوجئت بقوة من المجندات اقتادتها بالقوة إلى غرفة الاعتقال بالمعبر.
البقاء في غرفة الاعتقال
كان البقاء في غرفة الاعتقال بحد ذاته عذابا حقيقيًا: كانت فارغة من الأثاث تقريبًا سوى من كرسي بسيط، وحوائطها مطلية بلون أصفر قاتم متعب للعينين. تركوها تنتظر هناك ثلاث ساعات كاملة قبل الدخول على "لجنة التحقيق" الإسرائيلية.
كان المحقق الرئيس ضابطًا عراقي الأصل أشقر الشعر وذا عينين زرقاوين، إضافة إلى إحدى المجندات، ومحقق آخر كان زنجيًا ذا بشرة سوداء داكنة.
بادرها الأول بلهجة فلسطينية شابتها لكنة خفيفة: "برافو فاطمة! لقد اختاروك لأنك تشبهيننا حقا ببشرتك البيضاء وعينيك الزرقاوين! هل تعلمين أنني أنتظرك منذ أسبوع بكامله على أحر من الجمر؟!".
توقفت للحظة عن سرد قصتها وهي تنظر نحو الأرض لثوان، قبل أن ترفع عينيها فجأة وتكمل بسخط مفاجئ: "لعنة الله على العملاء! كشفهم الله جميعا! فقد تبينت منذ اللحظات الأولى أن ثمة "خللا ما"، وأن الإسرائيليين كان عندهم علم كامل بكافة تفاصيل العملية".
كما أن الزنازين التي مكثت بها كانت بحال كارثية حقا؛ لم تزد مساحتها عن مترين ونصف تقريبًا، ولم تعرف لها الشمس أو الهواء النقي سبيلاً. فراشها وغطاؤها أصابهما عفن شديد جعل من عملية "استخدامهما" عذابا حقيقيًا، فضلا عن مياه "المجاري" التي ملأت المكان.
حمل!
بعد ساعات من وجودها هناك، جاءها "إلهام" قوي بأن تطلب فحصًا للحمل. لماذا؟ لم تستطع أن تعرف السبب، لكن النتيجة كشفت كل شيء: إنها حامل في الشهر الأول دون أن تدري!
تقول فاطمة: "عرفت ساعتها ما الحكمة من "فشل عمليتنا"، فقد شاء الله أن أكون حاملا دون أن أدري، ليتم اعتقالي من أجل أن يرى طفلي النور! وقد قواني اكتشاف حملي إلى حد كبير أمام الجلادين والمحققين الإسرائيليين".
لم تعترف بشيء، فتم تحويلها إلى زنازين سجن عسقلان للتحقيق، وعلى مدى أسبوع كامل، مورس ضدها تعذيب مكثف كي تعترف بـ"جريمتها" دون أن يراعوا حملها.
عقبت عند هذه النقطة بالقول: "كنت مستعدة لدفع نصف عمري كي أرى "زبانية العذاب" الإسرائيليين وهم "يُجَنُّون" أمامي وقد حدث! اعترفت أمام المحقق بهدوء أنني كنت سأنفذ "عملية استشهادية" في حافلة متخمة بالجنود الإسرائيلية في تل أبيب! وجن طاقم التحقيق. !!".
وفاء الأحرار
في أواخر أكتوبر 2009، كانت الزق تستمع إلى إذاعة البي بي سي التي كانت تتحدث وقتها عن "صفقة تحرير 20 أسيرة، مقابل شريط يوضح حالة الجندي الأسير شاليط بعد الحرب"، لتفاجأ بأن بين الصفقة "أم وابنها"، ولم يكن هناك أية أسيرة مع ابنها في السجون سواها!.
عمت السجن فرحة عارمة من جميع الأسيرات، ورحن يعانقن فاطمة وولدها، ودموع الفرح في عيونهن. وكان محمود وقتها "وردة أمل" أزهرت في حياة الأسيرات في ظل "غابة الشوك" التي يعشن وسطها. لكن كونه طفلا لم يشفع له أمام إدارة السجن.
وتقول: "استجابت إدارة السجن لبعض طلباتي، إلا أن استجابتها لم تكن كافية مطلقا". ولم ير أي طبيب للأطفال يوسف طيلة وجوده في السجن سوى مرةٍ واحدة فقط، كما عانى مرارا من الأمراض جراء ظروف السجن القاسية، لتأتي صفقة "شريط شاليط" منهية لمعاناتهما.
ختمت فاطمة حديثها خلال الفيلم "لم أستطع مواجهة عيون زميلاتي من الأسيرات وهن يقمن بوداعي وأنا في طريقي نحو الحرية. إن فرحتي لا تزال منقوصة طالما بقين خلف القضبان، ولن تكتمل فرحتي إلا بتحريرهن جميعاً".
ويشار إلى أن الفيلم الفائز من إنتاج شبكة الرأي الفلسطينية من خلال فريق العمل وهم: (فادي مطر - مخرج الفيلم، هاجر حرب - كاتبة السيناريو والتعليق، أنس ريحان - مصور الفيلم، إحسان عباس - مونتاج الفيلم، إبراهيم أبو فول - جرافيك الفيلم، نمر جرادة - التدقيق اللغوي للفيلم، علي أبو جري - التنسيق والمتابعة، علاء السراج - مونتاج برومو الفيلم، صالح الجدبة - النقل اللوجستي، إسماعيل الثوابتة - المشرف العام على الفيلم".

