يسدل الليل ستاره على المنطقة الحدودية لقطاع غزة ليبرز شبح الرعب الذي يخيم بظلاله على المواطنين العزل، والتي تعتبر من أكثر الأماكن سخونة في أي مواجهة عسكرية وقعت أو قد تقع بين المقاومة الفلسطينية والاحتلال الإسرائيلي.
ورغم سريان اتفاق التهدئة الذي وقع في 27 من شهر أغسطس من العام المنصرم برعايةٍ مصرية في القاهرة، والذي يقضي بوقف الاحتلال الإسرائيلي لكافة عملياته العسكرية، والسماح للفلسطينيين الوصول لأراضيهم الزراعية المحاذية للشريط الحدودي، إلا أن جيش الاحتلال يخترق شروط التهدئة بإطلاق نيران رشاشاته المختلفة على المزارع والمساكن في تلك المنطقة بشكل يومي، عدا عن قيامه بعمليات توغل محدودة.
فالمواقع العسكرية التي تطل بثكنتها الإسمنتية المجهزة بالرشاشات الالكترونية تستهدف كل شيء يتحرك على طول الخط الفاصل لحدود قطاع غزة، الأمر الذي فرض على سكان تلك المناطق التحرك بخوف وحذر شديدين.
مسلسل رعب لا ينتهي
المواطن "محمد أبو هداف" 53 عاماً أحد سكان المنطقة الشرقية لبلدة القرارة شمال شرق محافظة خان يونس، يعيش مع أسرته المكونة من سبعة أشخاص في بيت لا تمنع جدرانه الرصاص أو القذائف من اختراقه وربما إصابته من بداخله.
يضطر محمد وجيرانه التزام منازلهم بعدما يخيم الليل بسبب قربهم من الحدود الفاصلة بين قطاع غزة والأراضي المحتلة أو ما يعرف "بخط الهدنة" والتي تشهد نصب كمائن لقوات الاحتلال بهدف قتل واعتقال كل من يقترب من الحدود.
وما أن يطلع الصباح حتى يتنفس "أبو هداف" وأسرته الصعداء بذهاب الكابوس الذي كان يحيط بهم طوال الليل وإن كان بشكل مؤقت فما هي إلا ساعات ويهيم الليل والخوف معه مجدداً عليهم، فيستغل ضوء النهار في إيصال أبنائه إلى المدرسة وتوفير ما يلزم من احتياجات للأسرة وزيارة الأٌقارب.
إلى أن قوات الاحتلال تتعمد نشر الأجسام المشبوه على طول الشريط الحدودي المتاخم للأراضي المحتلة مما أدى إلى إصابة عدد من الأطفال جراء عبثهم بتلك الأجسام، وعدّ ذلك بجرائم الحرب التي يعاقب عليها القانون الدولي.
الأجسام المشبوهة
أما الشاب "سلمان مهنا" 27 عاماً فيروي جانب آخر من تلك الحياة الصعبة والمتمثلة في الأجسام المشبوهة التي تتعمد قوات الاحتلال على نشرها في المناطق الحدودية، والتي سرعان ما تنفجر بمجرد لمسها من قبل الأطفال الذين يلعبون في المنطقة.
ويشير مهنا إلى أن الحصار الذي يفرض عليهم طوال الليل بفعل إطلاق النار يحول دون أدائهم لصلاة الفجر، ناهيك خوفهم من الكلاب المتوحشة التي تنتشر في تلك المناطق وتقوم عادةً بمهاجمة المارة.
معاناة على ورق
وكشف تقرير حقوقي صدر في لندن بعنوان "تحت مرمى النيران (Under Fire)، أصدره المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان، ومركز مراقبة النزوح الداخلي "IDMC"، الانتهاكات الإسرائيلية في المنطقة الحدودية المحظور الوصول إليها في قطاع غزة.
وتناول التقرير الانتهاكات الإسرائيلية في المناطق الحدودية المحظور الوصول إليها في قطاع غزة، مبيناً المعاناة الفادحة للسكان والفلاحين في هذه المناطق من جراء تقييد حرية الحركة هناك، والاستهداف المتكرر للمواطنين بالرصاص الحي وهدم المنازل.
وأكد التقرير على عدم قدرة المزارعين للوصول إلى مساحة شاسعة من أراضيهم، حيث بلغت مساحة هذه المناطق 62,6 كيلو متر مربع، أي ما يعادل 35% من مساحة الأراضي الزراعية في قطاع غزة، أو17% من مساحة قطاع غزة ككل.
وتناول التقرير بالأرقام الخسائر المادية والاقتصادية والبشرية الفادحة التي لحقت بالسكان وأصحاب الأراضي الزراعية جراء فرض إسرائيل للمنطقة الحدودية، وكيف فاقم الحصار من هذه الخسائر، والذي وصفه التقرير بالعقاب الجماعي.
وأكد التقرير على أن سلطات الاحتلال الإسرائيلي تستخدم الرصاص الحي في استهداف المدنيين في المناطق الحدودية دون مراعاة لمبدأ التمييز والتناسب، واعتبر ذلك انتهاكاً خطيراً لاتفاقية جنيف الرابعة.
وأكد التقرير أن إسرائيل لا تحترم المعايير الدولية المتعلقة بالتدرج في استخدام القوة وإنها تلجأ مباشرة لاستخدام القوة القاتلة.
ونوه التقرير إلى القصور من قبل المؤسسات الإغاثية في فهم طبيعة ما يتعرض له سكان المناطق الحدودية من جراء هدم منازلهم، والاقتصار على التعامل مع قضيتهم كأنها قضية إيجاد مأوى، دون الالتفات إلى خسارتهم الحقيقية المتمثلة في فقدانهم منازلهم ومصدر رزقهم جراء سياسة "المنطقة العازلة" التي فرضتها السلطات الإسرائيلية.

